أخرج الطبري (ج ١١، ص ١٥٦-١٦٢)مصدر غير محدد١١/١٥٦ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي:
{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ}: «الوحي هنا: الإلهام والقذف في القلوب، أو الوحي بالتشريع على لسان عيسى عليه السلام؛ والحواريون هم أنصار عيسى وأصحابه المخلصون وأصفياؤه، وسُموا حواريين لنقاء ثيابهم أو لصفاء قلوبهم وإخلاصهم».
{أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي}: أمرهم بالإيمان بوحدانية الله ورسالة عيسى.
{قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}: «استجابوا فوراً وقالوا لعيسى (أو لله تعالى): آمنا وصدقنا، واشهد يا نبي الله بأنا منقادون خاضعون مخلصون لله بالتوحيد (مسلمون)».
جمع حواري، وهو الناصر المخلص الخالص المودة، من الحَوَر وهو البياض الخالص.
مُسْلِمُونَ
موحدون مستسلمون لأمر الله، خاضعون لشريعته.
وَإِذْ
معطوف على إذ السابقة.
أَوْحَيْتُ
ماضٍ والتاء فاعل.
إِلَى الْحَوَارِيِّينَ
متعلق بأوحيت، ومجرور بالياء.
أَنْ
مفسرة لا محل لها، أو مصدرية منصوبة بنزع الخافض (بأن آمنوا).
آمِنُوا
أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
بِي
متعلق بآمنوا.
وَبِرَسُولِي
معطوف ورسول مضاف والياء مضاف إليه.
قَالُوا
ماضٍ والواو فاعل والجملة جواب النداء والإلهام.
آمَنَّا
ماضٍ وفاعله، مقول القول.
وَاشْهَدْ
معطوف على آمنا، أمر والفاعل مستتر.
بِأَنَّنَا
الباء حرف جر، أنّ حرف توكيد ونصب ونا اسمها.
مُسْلِمُونَ
خبر أنّ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ والمصدر المؤول مجرور بالباء متعلق باشهد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إثبات إسلام الحواريين وبراءتهم من الشرك النصراني:
برهان تاريخي وعقائدي ساطع ينسف المزاعم اللاحقة؛ يذكر الله تعالى أن صفوة أصحاب عيسى والحواريين الذين عاصروه لم يكونوا مثلثين ولا قائلين بألوهيته، بل أعلنوا إسلامهم الصريح: {وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}؛ فبين القرآن أن عقيدة التوحيد والإسلام هي دين الحواريين الحقيقي، وأن التثليث إنما كان طارئاً مبتدعاً بعد رفع عيسى وانقراض جيله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مفهوم "الإسلام" كدين جامع لجميع الأنبياء وأتباعهم:
تقرر الآية أصلاً محكماً في فلسفة الدين القرآني: دين الأنبياء جميعاً واحد وهو "الإسلام"؛ فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى والحواريون كلهم مسلمون موحدون خاضعون لله؛ والشرائع هي التي تتنوع وتتسع وتنسخ بحسب حكمة الله؛ فالتسمي بـ "المسلمين" هو الشرف الأسمى الذي طلبه الحواريون.
الجمع بين الإيمان بالله ورسوله {بِي وَبِرَسُولِي}: بيان أن الإيمان لا يصح إلا بالجمع بين التوحيد وتصديق الرسول المرسل؛ ونسبة الرسول إليه تقتضي رتبة العبودية والرسالة وتنفي أوهام الشرك.
طلب الشهادة {وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}: اعتزاز بالإسلام وإشهار له أمام الخلق ليكون شاهداً لهم يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتزاز بالانتساب إلى دين الإسلام، والسير على خطى الحواريين والأنبياء في نصرة دعوة الحق.
الإخلاص لله في النصرة، وصدق الاستجابة لإلهامات الهداية ونور الوحي.