تفسير الآثار في تعداد النعم العظمى على عيسى وأمه ومعجزاته:
أخرج الطبري (ج ١١، ص ١٤٠-١٥٥)مصدر غير محدد١١/١٤٠ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي:
{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ}: هذا تذكير وتعديد للنعم في محفل القيامة الأعظم على رؤوس الأشهاد، لتبكيت النصارى الذين عبدوه وادعوا ألوهيته؛ فيبين الله له ولهم أن كل ما جرى على يديه من خوارق ومعجزات إنما كان "نعمة وهبة محضة من الله وبإذنه"، لا بقدرة ذاتية منه.
{أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ}: قويتك بجبريل عليه السلام، يرافقك وينصرك.
{وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي}: تصوّر وتقدّر الطين على شكل طير ثم تنفخ فيه فيصير طيراً حياً يطير، وكل ذلك مقيد بقيد: {بِإِذْنِي}.
{وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ}: الأكمه هو الذي يولد أعمى، فتمسحه فيبصر بإذن الله؛ {وَالْأَبْرَصَ}: صاحب البرص وهو داء يعجز عنه الأطباء؛ {وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي}: تدعو الله فيحيي الموتى من قبورهم.
{وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ}: منعتهم وحميتك منهم حين هموا بقتلك وصلبك، فرفعتك إليّ وطهرتك من كيدهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَيَّدتُّكَ
قويتك وثبتك وأعنتك.
بِرُوحِ الْقُدُسِ
جبريل عليه السلام، والقُدُس الطهارة والبركة.
تَخْلُقُ
التقدير والتصوير، وأصل الخلق في اللغة التقدير المستقيم.
الْأَكْمَهَ
الذي ولد أعمى ممسوح العينين.
كَفَفْتُ
منعت وحجزت وصرفت شرهم وبطشهم.
إِذْ قَالَ
إذ ظرف زمان لما مضى بدل من يوم يجمع أو متعلق باذكر مقدراً، وجملة قال الله في محل جر مضاف إليه.
يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
نداء للمسيح، وابن نعت ومريم مضاف إليه.
اذْكُرْ نِعْمَتِي
أمر وفاعله ونعمتي مفعول به منصوب بفتحة مقدرة والياء مضاف إليه.
عَلَيْكَ
متعلق بنعمتي.
وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ
معطوف.
إِذْ أَيَّدتُّكَ
إذ بدل من نعمتي أو ظرف لها، أيدتك ماضٍ وفاعله ومفعوله.
بِرُوحِ الْقُدُسِ
متعلق بأيدتك، والقدس مضاف إليه.
تُكَلِّمُ النَّاسَ
جملة حالية من كاف أيدتك، مضارع وفاعله والناس مفعول.
فِي الْمَهْدِ
متعلق بمحذوف حال.
وَكَهْلًا
معطوف على الحال الأولى (أي متكلماً صبياً ومتكلماً كهلاً).
إن نافية، هذا مبتدأ وسحر خبر ومبين نعت (وقرئ ساحرٌ مبين)، والجملة مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تجريد المسيح من رداء الألوهية وإثبات كمال العبودية والامتنان:
مشهد احتفالي وتوبيخي معجز؛ في ذلك اليوم المهيب، يُنادى عيسى بن مريم باسمه ونسبه لأمه {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ}؛ وتُسرد أمامه وأمام أمته المعجزات العظام التي اتخذوه بسببها إلهاً؛ ليسمع العالمون جميعاً أن كل تلك الخوارق ما كانت لتكون إلا بنعمة الله وبتأييد جبريل وبقيد حاسم تكرر أربع مرات: {بِإِذْنِي... بِإِذْنِي... بِإِذْنِي... بِإِذْنِي}؛ فبطلت ألوهيته وثبتت عبوديته ورسالته وامتنانه لله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق التكرار الإعجازي لقوله {بِإِذْنِي} ودحض شبهة الشريك في الخلق والإحياء:
هذا التكرار الرباني لـ {بِإِذْنِي} بعد خلق الطير، وإبراء الأكمه والأبرص، وإخراج الموتى، هو المحاكمة العقلية القاصمة للاهوت النصراني:
فالمسيح لم يخلق من عدم، ولم يبرئ بقدرة ذاتية مستقلة، ولم يحيِ الموتى بسلطان نفسه؛ بل كان مجرد مظهر لقدرة الله الخالقة التي جرت الخوارق على يديه "بإذن الله وأمره"؛ كما جرت الخوارق على أيدي موسى ومحمد وإبراهيم؛ فالمعجزة دليل على صدق الرسول العبد، وليست دليلاً على ألوهيته؛ وتكرار {بِإِذْنِي} أربع مرات لقطع أي شبهة أو توهم استقلال ذاتي.