أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٧٢٥-٧٣٥)مصدر غير محدد١٠/٧٢٥ وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما نزل بنو إسرائيل قريباً من الأرض المقدسة، بعث موسى النقباء الاثني عشر ليروا أحوال الأرض، فرأوا قوماً طوال القامات، أولي بأس وقوة وبنية جسدية هائلة (من بقايا العمالقة والكنعانيين)، فهالهم ما رأوا وعادوا يرجفون بالخبر في صفوف بني إسرائيل ونهوهم عن القتال، فقال بنو إسرائيل بمذلة وجبن صريح: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
جَبَّارِينَ
جمع جبّار، وهو في كلام العرب: المتعظم القاهر لغيره بالقوة والسطوة؛ وأصله من النخلة الجبارة التي طالت وفاتت يد الجاني؛ واستُعمل في الإنسان لضخامة الجثة وشدة البطش والعتو.
لَن نَّدْخُلَهَا
لن حرف نفي وتأبيد واستقبال؛ فصرحوا بالامتناع القاطع المؤبد عن الدخول مادام العدو موجوداً.
قَالُوا
فعل ماض وفاعله.
يَا مُوسَىٰ
نداء مقتضب خالٍ من التوقير كعادتهم.
إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ
مقول القول؛ إن حرف ناسخ، فيها متعلق بمحذوف خبر مقدم، قوماً اسم إن مؤخر منصوب، وجبارين نعت منصوب بالياء.
وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا
الواو عاطفة، إنا حرف ناسخ واسمه، لن حرف نفي ونصب، ندخلها مضارع منصوب والفاعل مستتر والهاء مفعول به، والجملة خبر إن.
حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا
حتى حرف غاية ونصب، يخرجوا مضارع منصوب بأن مضمرة والواو فاعل ومنها متعلق بيخرجوا.
فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا
الفاء استئنافية، إن شرطية، يخرجوا فعل الشرط مجزوم.
فَإِنَّا دَاخِلُونَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، والجملة في محل جزم جواب الشرط؛ داخلون خبر إن مرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف الطبيعة الاتكالية المستذلة:
كشفت الآية عن العقلية الهزيلة المهزومة لبني إسرائيل؛ فاشترطوا لدخول الأرض المقدسة شرطاً مضحكاً مستحيلاً: أن يُخلى لهم المكان وأن يخرج المحاربون الأقوياء طواعية دون قتال {حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}؛ لبيان مدى رسوخ روح الاستعباد في نفوسهم وعجزهم عن تحمل مشاق التمكين والسيادة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تنقية الروايات التفسيرية من الإسرائيليات الخرافية في طول الجبارين:
يدفع الإشكال: أوردت بعض كتب التفسير روايات إسرائيلية منكرة ومكذوبة في وصف قوم عوج بن عنق (بأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع، وأنه كان يأخذ الحوت من قاع البحر فيشويه في عين الشمس!)؛ وردّ أئمة التحقيق -كابن كثير وابن القيم وابن خلدون في "المقدمة"- هذه الروايات تكذيباً وتفنيداً؛ لأنها تصادم الحديث الصحيح المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن»؛ فالجبارون كانوا قوماً أولي قوة وبأس وضخامة عادية في بنيان الأجسام كبقية الأقوام الشديدة، ولم تكن بتلك الصور الأسطورية الباطلة؛ وإنما ضخّم بنو إسرائيل شأنهم تبريراً لجبنهم وهلعهم النفسي.