أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٦٢٩-٦٤٥)مصدر غير محدد١٠/٦٢٩ وابن كثير عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: لما نقض بنو إسرائيل العهد الذي عاهدوا الله عليه، عاقبهم الله بعقوبات متتابعة:
{لَعَنَّاهُمْ}: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا.
{وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}: غليظة يابسة لا تنفذ إليها الموعظة ولا تلين للحق.
{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ}: يبدلون نصوص التوراة ويؤلونها على غير مراد الله طلباً للأهواء والدنيا وكتماناً لصفة محمد صلى الله عليه وسلم.
{وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}: تركوا العمل بأشرف ما أُمروا به من التوحيد والإخلاص والبشارات بالرسول الخاتم.
تفسير الخائنة والعفو المحمود: أخرج ابن جرير عن السدي: «الخائنة: الغدر والمكر والكيد برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين»، وأمره الله بالعفو والصفح كفاً لأذاهم وتأليفاً لمن يُرجى إيمانه حتى أذن الله بالجهاد والفتح.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قَاسِيَةً
القسوة في اللغة: الصلابة واليبوسة والحجر الصلد، والقلب القاسي هو الذي انعدمت منه الرقة والخشية والرحمة. قرأ حمزة والكسائي: {قَسِيَّةً} بفتح القاف وكسر السين وتشديد الياء، وهي فعيلة للمبالغة أو مأخوذة من الدرهم القَسِيّ وهو الرديء المغشوش.
خَائِنَةٍ
الخائنة إما مصدر كالخيانة، أو صفة لموصوف محذوف أي فرقة خائنة أو فعلة خائنة.
وَاصْفَحْ
الصفح هو الإعراض عن الذنب وترك التثريب وتجاوز صفحة الوجه عمن أساء.
فَبِمَا نَقْضِهِم
الفاء عاطفة تفريعية، الباء سببية، ما صلة مؤكدة تفيد التهويل، نقضهم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة، والهاء مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، وميثاقهم مفعول به للمصدر.
لَعَنَّاهُمْ
فعل ماض وفاعله ومفعوله، والجملة لا محل لها جواب القسم أو جواب الباء.
وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً
فعل وفاعل ومفعول أول ومفعول ثانٍ.
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ
جملة فعلية في محل نصب حال من ضمير لعناهم، أو مستأنفة مفسرة لقسوة القلوب.
وَلَا تَزَالُ
لا نافية، تزال مضارع ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره أنت.
تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ
جملة فعلية في محل نصب خبر تزال، وعلى خائنة متعلق بتطلع.
إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ
إلا أداة استثناء، قليلاً منصوب على الاستثناء المتصل من الضمير في "منهم" (وهم من أسلم منهم كعبد الله بن سلام).
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ
الفاء فصيحة، اعف فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، واصفح معطوف عليه.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
تذييل تعليلي لحث النفس على مقام الإحسان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سلسلة السقوط الأخلاقي والمعرفي:
رتبت الآية ثمار المعصية ترتيباً سببياً باهراً:
نقض العهد مع الله أدى إلى اللعنة والطرد.
واللعنة أورثت قسوة القلب وموته.
وقسوة القلب قادت إلى الجرأة على تحريف نصوص الوحي وتزوير الحقائق.
والتحريف جرّهم إلى نسيان العمل بالدين وضياع بركته.
وضياع الدين حوّلهم إلى أهل غدر وخيانة متصلة في المعاملات مع الناس؛ فكشف القرآن الترابط التام بين فساد العقيدة وفساد السلوك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة نسخ الأمر بالعفو والصفح بآيات القتال:
يدفع الإشكال: قرر أئمة التحقيق -كابن تيمية وابن القيم وابن كثير- أن الأمر بالعفو والصفح هنا ليس منسوخاً نسخاً كلياً يقتضي إبطاله؛ بل هو حكم محكم باقٍ بحسب المصلحة والقدرة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في موطن القوة بالمدينة ولكنه كان مأموراً بالإحسان وتأليف القلوب وكشف مؤامراتهم بالحكمة والعدل؛ فالعفو والصفح مشروع إذا اقتضت مصلحة الدعوة ذلك ورُجي هداية المخالفين، والقتال مشروع إذا تعين لردع البغاة والناكثين للعهود.
البلاغة المعجزة في التذييل {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: الارتقاء من مقام "العفو" (ترك العقوبة) و"الصفح" (ترك اللوم) إلى مقام "الإحسان" (بذل الخير ومقابلة الإساءة بالبر)؛ فجعل التعامل مع هؤلاء الخونة فرصة للمسلم للارتقاء إلى أعلى مقامات الولاية والرضوان الإلهي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الشديد من قسوة القلب والتهاون في الالتزام بأوامر الشرع، فإن المعاصي تصدأ بها القلوب حتى تتحجر.
الثبات على مكارم الأخلاق والترفع عن الغدر والمكر، واليقين بأن المؤمن كيس فطن لا تخدعه الخيانات ولا تزيله عن نبل الإحسان.