أخرج الطبري (ج ٩، ص ٥٩٣-٥٩٦)مصدر غير محدد٩/٥٩٣ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد: وعد الله عباده الصادقين الذين آمنوا به وبرسله وعملوا الصالحات وأقاموا العدل والقسط في أرضه؛ بأن يستر ذنوبهم في الدنيا والآخرة ويتجاوز عن سيئاتهم (وهي المغفرة)، وأن يمنحهم النعيم المقيم في دار كرامته (وهو الأجر العظيم).
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَعَدَ
الوعد هو الإخبار بإيصال الخير والنفع في المستقبل، ووعد الله حق وصدق لا يخلفه أبداً.
مَّغْفِرَةٌ
الستر والوقاية من شؤم الذنوب وآثارها.
عَظِيمٌ
بالغ النهاية في العظمة والجلال لا يحيط بوصفه عقل.
وَعَدَ اللَّهُ
فعل ماض واسم الجلالة فاعله.
الَّذِينَ آمَنُوا
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول لوعد.
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
معطوف على آمنوا.
لَهُم مَّغْفِرَةٌ
شبه الجملة خبر مقدم، ومغفرة مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني لوعد؛ أو جملة مستأنفة مفسرة للوعد؛ وقيل المفعول الثاني محذوف تقديره "وعدهم الجنة".
وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
معطوف على مغفرة، وعظيم نعت مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الترغيب بعد التكليف الصارم بالعدل:
لما ألزم المؤمنين في الآية السابقة بالتزام العدل الشاق وضبط النفس تجاه الأعداء؛ أتبع ذلك بالترغيب العظيم والوعد الكريم؛ تطييباً لنفوسهم وتثبيتاً لقلوبهم؛ ليعلموا أن كظم الغيظ والتزام الإنصاف ثمرته مغفرة الذنوب ونيل أعظم الدرجات عند رب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التلازم بين الإيمان والعمل الصالح:
يدفع الإشكال: هذه الآية الكريمة وسائر نظائرها في القرآن عمدة لأهل السنة والجماعة في أن مجرد دعوى الإيمان المجردة باللسان لا تكفي في نيل كمال الوعد الإلهي بالنجاة والدرجات؛ بل لا بد من اقتران الإيمان بالعمل الصالح كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والعدل في المعاملات؛ فالعمل الصالح ثمرة الإيمان وبرهانه الصادق.
تنكير {مَّغْفِرَةٌ} ووصف الأجر بـ {عَظِيمٌ}: تنكير المغفرة للتعظيم المطلق؛ أي مغفرة واسعة تمحو كل زلل سابق؛ ووصف الأجر بالعظيم لبيان أنه لا يقاس بأجور الدنيا الفانية؛ وتقديم المغفرة على الأجر لأن التخلية من الذنوب مقدمة على التحلية بالنعيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة المطلقة بوعد الله واليقين بأن التمسك بأوامره هو التجارة الرابحة التي لا تبور.
استحضار الأجر الأخروي عند مواجهة مشاق الاستقامة والتكاليف في مجاهدة النفس.