سبب النزول وسياق تفضيل الحلال القليل على الحرام الكثير:
أخرج ابن أبي حاتم والواحدي في "أسباب النزول" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «قام رجل فقال: يا رسول الله، إن الخمر كانت تجارتي وإني جمعت منها مالاً، فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله وحججت وتصدقت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أنفقته في حج أو عمرة أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً"؛ فأنزل الله تعالى تصديقاً لقول رسوله: {قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ...}».
وأخرج الطبري (ج ١١، ص ٨٥-٩٢)مصدر غير محدد١١/٨٥ عن ابن عباس والحسن والسدي: «الخبيث: الحرام من الأموال والأنكحة والمكاسب، والكافر والفاسق؛ والطيب: الحلال النقي، والمؤمن والصالح؛ فلا يستويان عند الله في الثواب والبركة والمنزلة ولو كان الحرام كثيراً متراكماً زاهياً في أعين الناس».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْخَبِيثُ
اسم جنس يعم كل محرم من المكاسب والأطعمة والأقوال والأشخاص.
وَالطَّيِّبُ
كل حلال زكي نافع ومصلح من العقائد والأعمال والأرزاق.
أُولِي الْأَلْبَابِ
أصحاب العقول الراجحة والفهوم النقية التي تدرك حقائق الأمور وعواقبها.
قُل
فعل أمر وفاعله مستتر.
لَّا يَسْتَوِي
لا نافية، يستوي مضارع مرفوع بضمة مقدرة.
الْخَبِيثُ
فاعل يستوي مرفوع بالضمة.
وَالطَّيِّبُ
معطوف مرفوع بالضمة، والجملة مقول القول.
وَلَوْ
الواو حالية، لو شرطية وصلية.
أَعْجَبَكَ
ماضٍ والكاف مفعول به مقدم.
كَثْرَةُ
فاعل أعجبك مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
الْخَبِيثِ
مضاف إليه مجرور، وجواب لو محذوف دل عليه ما قبله (أي لا يستويان ولو أعجبك).
فَاتَّقُوا اللَّهَ
الفاء فصيحة، اتقوا أمر والواو فاعل والله مفعول به.
يَا أُولِي
يا حرف نداء، أولي منادى مضاف منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء المعيار القيمي والنوعي الصارم في تقويم الأشياء:
قاعدة قرآنية ذهبية كلية؛ بعد أن فصّل تحريم الخمر والميسر وأكل السحت وصيد الحرم، وعلم سبحانه أن النفس الإنسانية قد تنبهر بكثرة أموال الربا وأرباح الخمور وتفشي الفساد وتكاثر أهله، جاءت هذه الآية لتنسف ميزان "الكثرة والكم" وتقيم بدلاً منه ميزان "الكيف والنقاء والطيب"؛ فالقليل الحلال الطيب خير وأبقى عند الله وفي المآل من الكثير الخبيث المتراكم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تدفع الآية أعظم شبهة يقع فيها الناس في كل عصر: وهي الاعتذار بشيوع المنكر وتفشي الحرام في الأسواق والمجتمعات للركون إليه!
فالقرآن يقرر أن "الكثرة لا تغير من طبيعة الخبث شيئاً": فالسم الكثير لا يصير ماءً زلالاً، والربا الشائع لا ينقلب حلالاً بمجرد تراض الناس عليه؛ فالعقل الصريح (عقل أولي الألباب) ينظر إلى حقيقة المادة وعاقبتها الأخروية، لا إلى لمعانها وبريقها الزائف في الدنيا.
التنكير والتعميم بـ "أل" الجنسية في {الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ}: لتستغرق المقارنة كل شأن من شؤون الحياة: العقائد، الأخلاق، الأصدقاء، الأموال، الزوجات؛ فالطيب والخبيث خطان متوازيان لا يلتقيان.
الخطاب بالنداء لـ {يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}: تنبيه لطيف على أن الانخداع بالكثرة الخبيثة علامة على غياب العقل، وأن التمسك بالطيب القليل دليل على كمال اللب والرجاحة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الرضا بالحلال القليل والبركة فيه، والاستغناء التام عن الحرام الكثير ومكاسبه العاجلة الزائلة.
الثبات على الحق ولو قل سالكوه، وعدم الاغترار بباطل يصفق له الملايين.