أخرج الطبري (ج ٩، ص ٥٩٧-٦٠١)مصدر غير محدد٩/٥٩٧ وابن كثير عن ابن عباس وقتادة: بيّن الله مآل الكافرين الذين جحدوا وحدانيته وكذبوا برسله وبآياته المنزلة والمعجزات الباهرة؛ فحكم عليهم بأنهم المخلدون في نار الجحيم المستعرة لا يفارقونها ولا يخرجون منها أبداً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
التكذيب بالآيات يتناول تكذيب آيات القرآن وتكذيب المعجزات الدالة على صدق الرسول.
الْجَحِيمِ
النار الشديدة التأجج والاشتعال، مأخوذة من جَحَمَتِ النار إذا اضطرمت وعلا لهيبها.
أَصْحَابُ
جمع صاحب، ومصاحبة الشيء ملازمته والدوام معه؛ فالمعنى أنهم ملازمون لها خلوداً لا انفكاك لهم عنها.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
الواو عاطفة للمقابلة، الذين اسم موصول مبتدأ، وجملة كفروا صلة.
وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
معطوف على كفروا، وبآياتنا متعلق بكذبوا.
أُولَٰئِكَ
اسم إشارة مبتدأ ثانٍ.
أَصْحَابُ الْجَحِيمِ
أصحاب خبر المبتدأ الثاني مرفوع، والجحيم مضاف إليه، وجملة أولئك وخبرها خبر المبتدأ الأول (الذين).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة القرآنية المحكمة بين الوعد والوعيد:
جرت عادة القرآن الكريم أن يقرن الوعد بالوعيد، والترغيب بالترهيب؛ فلما ذكر مصير المؤمنين المقسطين في الآية السابقة؛ ثنّى بذكر مصير الكافرين المكذبين؛ ليتحقق التوازن في النفس المؤمنة بين الخوف والرجاء، وليتبين الفرق الهائل بين مسلك النور ومسلك الظلمات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا جمع بين الكفر والتكذيب {كَفَرُوا وَكَذَّبُوا}؟:
يدفع الإشكال: لأن الكفر قد يكون جحوداً باطناً أو شكاً وتردداً، والتكذيب إعلان صريح بالمعارضة والمخاصمة ورد الحق؛ فجمع القرآن بين الأمرين لبيان أنهم لم يكتفوا بفساد العقيدة في ذواتهم، بل جاهروا بتكذيب الرسل ومحاربة البينات، فاستحقوا الخلود في الجحيم جزاء وفاقاً.
إضافة {أَصْحَابُ} إلى {الْجَحِيمِ}: استعارة دالة على الملازمة الأبدية؛ فصاحب الشيء لا يفارقه؛ وإيراد اسم الإشارة {أُولَٰئِكَ} للتحقير والتمييز بتلك الصفة الشنيعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف والوجل من التكذيب بآيات الله أو التهاون في تعظيم حرمات الشريعة.
اليقين بأن الآخرة دار عدل ومصير حتمي يُفصل فيه بين الأبرار والفجار.