أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٤٣٢-٤٣٥)مصدر غير محدد١٠/٤٣٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: في قوله: {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا}: «أي من نصر الله ورسوله والمؤمنين، ودان بطاعة الله، وقطع موالاة الكفار؛ {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}: يعني جند الله وأولياءه هم المنصورون في الدنيا بنصر الحجة والسيف، وفي الآخرة بالفوز بالجنة والنجاة من النار».
ونظيرها في القرآن قوله تعالى في سورة المجادلة: {أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وقوله تعالى: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَتَوَلَّ
يوالي بالنصرة والمحبة والطاعة والانقياد التام.
حِزْبَ اللَّهِ
الحزب هم القوم المجتمعون على أمر واحد ورابطة مشتركة؛ وحزب الله هم جنده وأولياؤه وأنصاره المتمسكون بدينه.
الْغَالِبُونَ
المنتصرون القاهرون لأعدائهم، والعاقبة الحميدة لهم حتماً.
وَمَن
الواو استئنافية، من اسم شرط جازم مبتدأ.
يَتَوَلَّ
مضارع مجزوم بحذف حرف العلة والفاعل مستتر.
اللَّهَ
لفظ الجلالة مفعول به منصوب.
وَرَسُولَهُ
معطوف منصوب.
وَالَّذِينَ آمَنُوا
اسم موصول معطوف في محل نصب، وجملة آمنوا صلة.
فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ
الفاء رابطة لجواب الشرط، إنّ حرف توكيد ونصب، حزب اسم إنّ منصوب، والله مضاف إليه.
هُمُ
ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ ثانٍ.
الْغَالِبُونَ
خبر إنّ مرفوع بالواو (أو خبر هم، والجملة خبر إنّ)، والجملة في محل جزم جواب الشرط؛ وهنا أقام المظهر مقام المضمر؛ والأصل: "فإنهم هم الغالبون"، فأتى بـ "حزب الله" لتشريفهم وللتعليل بأن الغلبة إنما كانت لكونهم حزب الله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الوعد الإلهي المطلق بالغلبة والتمكين:
خاتمة بالغة الإحكام لمسألة الولاء؛ بعد أن حذر من موالاة أعداء الدين، ثم كشف خيانة المنافقين وخوفهم من الدوائر، ثم بيّن صفات الجيل البديل {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، ثم حصر الولاية في الله ورسوله والمؤمنين، ختم ذلك بتقرير النتيجة الكونية والشرعية الحتمية: أن من تمسك بهذا الحلف الإيماني وانتمى إلى حزب الله فهو الغالب المنصور لا محالة، وأن الدوائر إنما تدور على أهل النفاق والكفر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة تأخر النصر والغلبة لحزب الله ومفهوم "الغلبة" في القرآن:
يدفع الإشكال: قد يرى بعض الناس ضعفاً ينزل بأهل الإيمان في بعض العصور أو هزيمة عسكرية في جولة، فيظن أن وعد الغلبة قد تخلف؛ وحقق أئمة التفسير (كالطبري والرازي وابن تيمية والشنقيطي):
غلبة الحجة والبيان: فحزب الله غالبون دائماً وأبداً في ميدان البرهان والعقل والفطرة، لا يبارزهم مبطل إلا دحضت حجته.
غلبة العاقبة والتمكين: سنة التدافع تقتضي الابتلاء، ولكن العاقبة النهائية للمتقين {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، وجولات الحرب سجال لتنقية الصفوف.
اشتراط تحقيق الوصف: الغلبة مشروطة بكونهم "حزب الله" حقاً وصدقاً في العقيدة والعمل والجهاد؛ فإذا قصروا في شروط الولاية ونصرة الدين نالهم من الخذلان بقدر تقصيرهم، لا لخلف في الوعد الإلهي.
الإظهار في موضع الإضمار في {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}: عدل عن قوله "فإنهم هم الغالبون" إلى الاسم الظاهر "حزب الله" لتربية المهابة وإضفاء الشرف العظيم على المؤمنين؛ وللإشعار بأن علة الغلبة والنصر ليست قوتهم الذاتية، بل انتسابهم إلى الله وكونهم جنده.
الحصر بضمير الفصل وتعريف الخبر {هُمُ الْغَالِبُونَ}: إفادة قصر الغلبة الحقيقية عليهم، وأن غلبة الكفار والمنافقين غلبة عارضة زائلة لا بقاء لها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس روح العزة واليقين بالنصر في قلوب المستضعفين من المسلمين، وربط القلوب بمصدر القوة المطلقة.
التزام صفات حزب الله في التراحم والاعتصام بالكتاب والسنة والعمل الصالح والبراءة من أعداء الله.