أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٦٧٨٩)مصدر غير محددحديث رقم ٦٧٨٩ ومسلم (رقم ١٦٨٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٨٤ من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تُقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً».
وروى البخاري (رقم ٣٧٣٣ و ٦٧٨٨) ومسلم (رقم ١٦٨٨)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٨٨ من حديث عائشة رضي الله عنها في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، فاستشفع لها أسامة بن زيد، فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فاختطب فقال: أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وايمُ الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها».
تفسير القطع وموضعه: أجمع الصحابة -كما روى الطبري (ج ١٠، ص ٩٠١-٩١٥)مصدر غير محدد١٠/٩٠١ عن ابن مسعود وابن عباس وعلي- على أن القطع يبدأ من اليد اليمنى من مفصل الكف (الكوع والرسغ)، وتُحسم بالزيت المغلي أو النار لمنع النزيف وتطهير الجرح.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
السَّارِقُ
من يأخذ مال غيره المحترم خفيةً من حِرْز مثله بلا شبهة ولا تأويل.
نَكَالًا
النكال هو العقوبة الزاجرة الشديدة التي تردع الجاني وتنكّل به وتمنع غيره من الإقدام على فعله؛ مأخوذ من النَّكَل وهو القيد الثقيل.
عَزِيزٌ حَكِيمٌ
عزيز لا يُغلب في سلطانه، حكيم في تشريعه وحدوده يضع كل عقوبة في موضعها الصائن لمصالح العباد.
وَالسَّارِقُ
الواو استئنافية، السارق مبتدأ مرفوع بالضمة، والسارقة معطوف عليه.
فَاقْطَعُوا
الفاء رابطة متضمنة معنى الشرط لدخول "أل" الموصولة في المبتدأ (أي: والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا)، اقطعوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
أَيْدِيَهُمَا
مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه؛ وجُمعت الأيدي مع أنهما يد للمذكر ويد للمؤنث لثقل التثنية في المضاف المضاف إلى مثنى في كلام العرب كقوله تعالى: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
جَزَاءً
مفعول لأجله منصوب، أو مفعول مطلق لفعل محذوف.
بِمَا كَسَبَا
متعلق بجزاء، وما مصدرية أو موصولة.
نَكَالًا
مفعول لأجله ثانٍ أو بدل من جزاء أو مصدر مؤكد.
مِّنَ اللَّهِ
نعت لنكالاً.
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
تذييل استئنافي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام المنظومة الجنائية بحماية الأموال بعد الدماء:
تناسق تشريعي مبهر؛ فبعد أن شرع القرآن حد القصاص لحماية الأنفس، وحد الحرابة لحماية السبل والأمن الجماعي؛ شرع هنا حد السرقة لحماية "الأموال"؛ لتكتمل أركان المقاصد الشرعية الكبرى (حفظ الدين، والنفس، والمال، والأمن)؛ وجعل العقوبة قطع اليد؛ لأن اليد هي الآلة التي باشرت الخيانة وسرقة كد الآخرين، فجازاها بقطعها نكالاً وزجراً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المعري الشهيرة في دية اليد وقطعها بربع دينار:
يدفع الإشكال: أثار أبو العلاء المعري قديماً شبهة شعرية ملحدة فقال:
«يدٌ بخمس مئين عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ... ما بالُها قُطِعَتْ في رُبْعِ دينارِ؟!»
(يعترض كيف تكون دية اليد إذا قُطعت ظلماً خمسمائة دينار ذهباً، وإذا سرقت ربع دينار تُقطع؟).
فرد عليه قاضي القضاة عبد الوهاب المالكي وعلم الدين السخاوي وجماهير أئمة الإسلام بجواب عقلي معجز سار مثلاً في الآفاق:
«عِزُّ الأمانةِ أَغْلاها، وأَرْخَصَها ... ذُلُّ الخِيَانةِ، فافْهَمْ حِكْمَةَ الباري!»
وبيانه العقلي المحكم:
حين كانت اليد "أمينة" كريمة تحمي صاحبها وتصون المجتمع، كانت ثمينة غالية فجعل الشارع ديتها خمسمائة دينار صيانةً لها من اعتداء المعتدين لئلا يجترئ أحد على قطعها.
وحين "خانت" تلك اليد وسرقت وتعدت على أموال الناس، هانت وسقطت قيمتها فقُطعت في ربع دينار حمايةً لأموال المجتمع وردعاً للخيانة؛ فلو عُظمت اليد الخائنة لما أمن الناس على أموالهم، ولو أُرخصت اليد الأمينة لما أمن الناس على أطرافهم؛ وتلك غاية العدل والحكمة الإلهية.
شروط إقامة حد السرقة الصارمة:
بيّن الفقهاء أن الحد لا يُقام إلا بشروط بالغة الدقة تدفع كل شبهة (الحدود تُدرأ بالشبهات): أن يبلغ المسروق النصاب (ربع دينار ذهباً)، وأن يكون من حِرْز مغلق، وألا يكون للسارق شبهة ملك أو قرابة موجبة للنفقة، وألا يكون في زمن مجاعة ومخمصة عامة كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام الرمادة.
تقديم السارق على السارقة {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}: عكس آية الزنا في سورة النور حيث قدّم {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي}؛ لأن السرقة تتطلب جرأة وبطشاً وقوة واقتحاماً وذلك أغلب في طبيعة الرجال فقدم السارق؛ بينما الزنا سببه الأكبر إبداء الزينة والفتنة وذلك من جانب المرأة فقدمت الزانية؛ وتذييلها بـ {عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تعليل لبناء العقوبة على الاقتدار والحكمة البالغة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة الأموال والمكاسب، واستشعار حرمة أموال الناس فلا يحل منها قليل ولا كثير إلا بطيب نفس.
ترسيخ مبدأ المساواة والعدالة أمام القضاء والشريعة؛ فلا يسقط الحد لوساطة ذوي النفوذ ولا يُحابى فيه شريف على ضعيف.