وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
أحاديث التحذير من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسقوط الأمم:
أخرج أحمد وأبو داود (رقم ٤٣٣٦)مصدر غير محددحديث رقم ٤٣٣٦ والترمذي (رقم ٣٠٤٧ وحسنه) وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}، ثم قال صلى الله عليه وسلم: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم».
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» (رواه الترمذي وحسنه).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لَا يَتَنَاهَوْنَ
صيغة تفاعل، تفيد التشارك؛ أي لا ينهى بعضهم بعضاً، أو لا ينتهون إذا نُهوا.
مُّنكَرٍ
كل ما استقبحه الشرع وحرمه وعاقب عليه، وأنكرته العقول السليمة والفطر النقية.
فَعَلُوهُ
قارفوه وارتكبوه، والضمير عائد على منكر، أو على فاعله من جنسهم.
كَانُوا
كان واسمها الواو.
لَا يَتَنَاهَوْنَ
لا نافية، يتناهون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب خبر كان.
عَن مُّنكَرٍ
متعلق بيتناهون.
فَعَلُوهُ
فعل ماضٍ وفاعله ومفعوله، والجملة في محل جر نعت لمنكر.
لَبِئْسَ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، بئس فعل ماضٍ جامد للذم.
مَا
فاعل بئس.
كَانُوا يَفْعَلُونَ
كان واسمها وخبرها صلة ما، والمخصوص بالذم محذوف تقديره "فعلهم ذلك وهو ترك التناهي عن المنكر".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تشخيص الداء العضال الذي استجلب اللعنة:
تفسير وتفصيل مباشر لقوله في الآية السابقة: {ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ}؛ فبين سبحانه أن أعظم اعتداء ومعصية كانت سبباً في حلول اللعنة العامة السابغة ليس مجرد وقوع المنكر من فرد، بل هو "موت الغيرة الجماعية وسكوت المجتمع وتخليه عن فريضة التناهي عن المنكر"؛ فتحول المنكر إلى أمر مألوف يتعايش معه الجميع بلا إنكار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سريان العقوبة واللعنة العامة على المجتمع بسبب سكوت الصالحين:
يدفع الإشكال: كيف تعم اللعنة المجتمع وفيه من لم يرتكب المنكر بنفسه؟
والتحقيق الشرعي والاجتماعي الحاسم:
السكوت عن المنكر والمؤاكلة والمشاربة لمرتكبيه مع القدرة على الإنكار رضا بالمنكر ومداهنة في دين الله؛ والراضي كالفاعل؛ وبموت فريضة الحسبة والنهي عن المنكر يتجاسر الفساق ويستعلي الفساد ويهلك الجميع بسنة التدافع الكونية؛ كما سألت زينب بنت جحش رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث» (متفق عليه).
صيغة التفاعل في {لَا يَتَنَاهَوْنَ}: تفيد أن المجتمع كله أصيب بالتبلد؛ فلا الصالح ينهى الفاسق، ولا الفاسق ينهى نظيره، ولا المنصوح ينتهي إذا نُصح؛ بل استقر التواطؤ العام على ترك التغيير.
التنكير في {عَن مُّنكَرٍ}: استغراق لجميع أنواع المنكرات؛ صغيرها وكبيرها، قوليها وعمليها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، واعتبارها صمام أمان الأمة من الهلاك العام.
تجنب المداهنة والمجاملة على حساب حدود الله، وعدم الرضا بمجالسة مقترفي المنكرات حال اقترافهم.