تفسير الآثار في هلاك الأمم السابقة بالتعنت في الأسئلة:
أخرج الطبري (ج ١١، ص ٩٣-٩٧)مصدر غير محدد١١/٩٣ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: «يذكر الله تعالى ما وقعت فيه الأمم السابقة حين ألحوا على أنبيائهم بالأسئلة واقتراح الآيات؛ فقوم صالح سألوا الناقة فلما جاءتهم كفروا بها وعقروها فهلكوا؛ وقوم موسى شددوا وسألوا عن تفاصيل البقرة وألوانها فشدد الله عليهم وكادوا لا يفعلون؛ وقوم عيسى سألوا المائدة فلما نزلت كفر بعضهم فمسخوا؛ فكانت أسئلتهم المتعنتة سبباً في كفرهم وهلاكهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قَدْ سَأَلَهَا
سأل تلك الأشياء واقترح تلك التكاليف والآيات.
أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ
صاروا بسببها جاحدين كافرين عاجزين عن الوفاء بما ألزموا به أنفسهم.
قَدْ
حرف تحقيق.
سَأَلَهَا
ماضٍ ومفعوله عائد على أشياء.
قَوْمٌ
فاعل سألها مرفوع بالضمة.
مِّن قَبْلِكُمْ
متعلق بمحذوف نعت لقوم.
ثُمَّ
حرف عطف يفيد التراخي والترقي في شناعة الفعل.
أَصْبَحُوا
ماضٍ ناقص واسمها الواو.
بِهَا
متعلق بكافرين (الباء سببية).
كَافِرِينَ
خبر أصبح منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة معطوفة على جملة سألها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ضرب المثل التاريخي والتحذير من مغبة التعنت:
موعظة تاريخية بليغة تقطع عرق الشبهة؛ فلما نهاهم في الآية السابقة عن الأسئلة الموقعة في الحرج، أكد هذا النهي ببيان النموذج التاريخي لمن سلك هذا المسلك الرديء؛ فأخبرهم أن أمماً سابقة تعنتت وألحت على أنبيائها بالتكاليف واقتراح المعجزات، فلما استجيب لهم عجزوا عن القيام بها فكفروا وهلكوا؛ فحذر هذه الأمة المحمدية المرحومة أن تقع في مصارع تلك الأمم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة اقتران كثرة السؤال بالعجز والكفر:
تكشف الآية حقيقة نفسية وسلوكية: المتنطع في السؤال ليس طالب حق في الغالب، بل هو متكلف يبحث عن الجدل؛ فإذا جاءه الجواب ملزماً له بأعباء وتكاليف شاقة، نكص على عقبيه وثقل عليه التكليف فكفر به أو تركه؛ فالاستقامة والامتثال العملي خير وأسلم للعقل والروح من الخوض في التكلف.