تفسير الآثار في موالاة أهل الكتاب لمشركي قريش والعرب:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٥٩٣-٥٩٩)مصدر غير محدد١٠/٥٩٣ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «نزلت في يهود المدينة (كبني قينقاع وبني النضير وقريظة) حين مالأوا مشركي مكة من قريش وكنانة والأحزاب ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما فعل كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب حين ذهبوا إلى مكة وقالوا لكفار قريش: "دينكم خير من دين محمد، وأنتم أهدى سبيلاً"! فتولوا الوثنيين وناصروهم على أهل الإيمان والتوحيد بغياً وحسداً».
وروى الطبري عن قتادة: «{لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ}: بئس ما سلفوا لأنفسهم وزودوها لمعادهم: سخط الله والخلود في النار».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَتَوَلَّوْنَ
يوالون بالنصرة والتحالف والمودة.
الَّذِينَ كَفَرُوا
مشركو العرب وعبدة الأوثان.
قَدَّمَتْ
أسلفت من الأعمال التي يلقاها العبد يوم القيامة.
سَخِطَ
السخط غضب الله الشديد الموجب لعقابه.
تَرَىٰ
مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر.
كَثِيرًا
مفعول به أول لترى (أو مفعول به إن كانت بصرية).
مِّنْهُمْ
متعلق بمحذوف نعت لكثيراً.
يَتَوَلَّوْنَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة حال أو مفعول ثانٍ.
الَّذِينَ
مفعول به ليتولون، وجملة كفروا صلة.
لَبِئْسَ
اللام موطئة لقسم مقدر، بئس فعل ماضٍ للذم.
مَا
فاعل بئس.
قَدَّمَتْ
ماضٍ والتاء للتأنيث.
لَهُمْ
متعلق بقدمت.
أَنفُسُهُمْ
فاعل قدمت، والجملة صلة ما.
أَن سَخِطَ اللَّهُ
أن مصدرية، سخط ماضٍ والله فاعله، والمصدر المؤول في محل رفع مبتدأ مؤخر وهو المخصوص بالذم (أي: بئس ما قدمت لهم أنفسهم سخطُ الله عليهم)، أو بدل من ما.
عَلَيْهِمْ
متعلق بسخط.
وَفِي الْعَذَابِ
الواو عاطفة، في العذاب جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
هُمْ
مبتدأ مؤخر.
خَالِدُونَ
خبر ثانٍ أو حال مؤكدة؛ وتقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر والاختصاص.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح التحالف الدنس بين أهل الكتاب والوثنيين ضد التوحيد:
كشف قرآني لقمة السقوط؛ فأهل الكتاب الذين يزعمون الإيمان بالله والكتب السماوية، لما أعماهم الحسد والبغض لمحمد صلى الله عليه وسلم، لم يجدوا حرجاً من التحالف مع عبدة الأوثان والمشركين ونصرتهم وتفضيل وثنيتهم على دين الإسلام! فبين سبحانه أن هذا الصنيع هو أبأس زاد قدموه لآخرتهم، إذ أورثهم سخط الله الأبدي والخلود في الجحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة سخط الله وعقوبة الخلود في النار:
الآية صريحة في خلود هؤلاء في النار {وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ}؛ رداً على زعمهم الباطل {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً}؛ فبين القرآن أن موالاة الكفار ونصرة الشرك على التوحيد وتفضيل الوثنية كفر مغلظ يوجب سخط الجبار والخلود المؤبد في العذاب المهين.
التصوير البديع في {قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ}: صور الأعمال بضاعة وزاداً يرسله المرء أمامه إلى دار مقره؛ فإذا بضاعتهم التي أرسلوها هي سخط الله والخسران؛ وإسناد التقديم إلى الأنفس إشعار بأن الهوى النفسي الأمار بالسوء هو الذي ورطهم في هذه الجريمة.
الحصر بتقديم الجار والمجرور في {وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ}: للدلالة على أنهم لا يخرجون منه ولا يخفف عنهم، بل هم محبوسون في قعره أبداً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من التحالف مع أعداء الملة ضد المسلمين مهما بلغت الخصومات السياسية أو الحزبية، فإن عاقبة ذلك سخط الله.
محاسبة النفس ومراقبة ما يقدمه العبد لآخرته من أقوال وأفعال ومواقف.