أخرج الطبري (ج ١١، ص ١٦٣-١٧٥)مصدر غير محدد١١/١٦٣ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي ومجاهد وقتادة: «أمر عيسى عليه السلام الحواريين بصيام ثلاثين يوماً، فلما تم صيامهم قالوا: يا عيسى، إنا قد صمنا وأجعنا بطوننا، وكل أجير إذا عمل طُلب له طعامه، فهل يقدر ويفعل ربك إن سألته أن ينزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً وبرهاناً ونأكل منها ونطمئن؟ فأنكر عليهم عيسى ابتداءً طلب الآيات المقترحة وقال: {اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، أي اتقوا أن تقترحوا على الله وتشكوا في قدرته أو تسألوا ما لم تؤمروا به».
القراءات في {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}:
قرأ الجمهور (نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة): {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} بياء الغيبة ورفع الباء في يستطيع ورفع ربك على الفاعلية؛ والمعنى: هل يجيبك ربك ويفعل إن سألته؟ أو هل تقتضي حكمته ومشيئته ذلك؟
وقرأ علي بن أبي طالب وعائشة ومعاذ بن جبل والكسائي: {هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ} بتاء الخطاب لعيسى ونصب ربك؛ أي: هل تستطيع أن تسأل ربك وتدعوه؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَائِدَةً
خوان الطعام الذي عليه الطعام؛ ولا يُسمى الخوان مائدة في لسان العرب حتى يكون عليه طعام مَمُود (أي مُعطى ومبسوط).
هَلْ يَسْتَطِيعُ
الاستطاعة القدرة؛ واستعملت في لسان العرب بمعنى: هل يفعل؟ وهل يطيعك ويجيبك؟ كقولك لصاحبك: هل تستطيع أن تقف معي غداً؟ وأنت لا تشك في قدرته على الوقوف، بل تسأله الإجابة والتكرم.
إِذْ
ظرف زمان بدل من إذ السابقة أو متعلق باذكر مقدراً.
قَالَ الْحَوَارِيُّونَ
ماضٍ وفاعله مرفوع بالواو.
يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
نداء ونعت ومضاف إليه.
هَلْ
حرف استفهام تلطف ورجاء.
يَسْتَطِيعُ
مضارع مرفوع بالضمة.
رَبُّكَ
فاعل يستطيع مرفوع بالضمة والكاف مضاف إليه.
أَن يُنَزِّلَ
أن مصدرية ناصبة، ينزل مضارع منصوب والفاعل مستتر، والمصدر المؤول مفعول به ليستطيع.
عَلَيْنَا
متعلق بينزل.
مَائِدَةً
مفعول به لينزل منصوب بالفتحة.
مِّنَ السَّمَاءِ
متعلق بمحذوف نعت لمائدة.
قَالَ
ماضٍ والفاعل مستتر عائد على عيسى.
اتَّقُوا اللَّهَ
أمر وفاعله ومفعوله، مقول القول.
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
شرط وجوابه محذوف تقديره فاتقوه ولا تقترحوا الآيات.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سياق قصة "المائدة" التي سُميت بها السورة الشريفة:
بؤرة السورة وذروة تسميتها؛ بعد أن قرر توحيد الحواريين، أورد هذا الحدث التاريخي العظيم الذي طُبعت به السورة؛ فكشف طبيعة البشرية التي قد تطلب مزيداً من الطمأنينة الحسية والآيات الباهرة؛ وكيف واجههم عيسى بالوعظ والتقوى والتحذير من اقتراح الآيات لئلا يعقبها العذاب إن كفروا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تنزيه الحواريين عن الشك في قدرة الله في قراءة {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}:
يدفع الإشكال: كيف يقول الحواريون المؤمنون {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} وهو شك صريح في كمال القدرة الإلهية؟!
والتحقيق العلمي لأئمة التفسير واللغة (كابن جرير والزجاج وابن الأنباري وابن كثير):
الاستفهام ليس عن أصل القدرة الذاتية: الحواريون يعلمون يقيناً أن الله على كل شيء قدير وقد رأوا إحياء الموتى وخلق الطير؛ وإنما الاستفهام عن "وقوع الإجابة والمشيئة"، كما يقول الرجل لصديقه الجواد: "هل تستطيع أن تعطيني درهماً؟" وهو يعلم غناه، ولكن يسأله التكرم والموافقة.
أو المعنى: هل يطيعك ربك في الإجابة؟: من الإطاعة بمعنى الإجابة وإعطاء السؤل، فاستفعل هنا بمعنى أفعل.
وعلى قراءة الكسائي {هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ}: التقدير: هل تستطيع أن تسأل ربك دون حرج؟ فزال الإشكال تماماً وبطل توهم الشك في قدرة الخالق.
التأدب في الخطاب {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}: استخدام أسلوب الاستفهام المهذب عند الطلب، وعطف الخطاب على عيسى لكرامته عند ربه.
رد عيسى الحازم {اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}: تربية نبوية على تعظيم مقام الربوبية، وترك اقتراح المعجزات المادية؛ لأن الإيمان الصادق يستند إلى البرهان العقلي لا إلى مجرد ملذات البطون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه الهمم إلى كمال التسليم لحكمة الله، والنهي عن اقتراح الآيات والشروط على الله.
التأدب عند دعاء الله ومسألته، واقتران الطلب بالتقوى والخشوع.