أخرج الطبري (ج ٩، ص ٥٧٦-٥٨٣)مصدر غير محدد٩/٥٧٦ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة:
{نِعْمَةَ اللَّهِ}: نعمة الإسلام وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتأليف القلوب بعد العداوة، وبيان الحلال والحرام ورخص الشريعة.
{وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ}: بيعة النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة وبيعة الرضوان تحت الشجرة على السمع والطاعة في المنشط والمكره؛ وعقد الإيمان الكلي الذي التزم به كل مؤمن بنطق الشهادتين وقبول الشريعة.
وروى البخاري (رقم ٧١٩٩)مصدر غير محددحديث رقم ٧١٩٩ ومسلم (رقم ١٧٠٩)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٠٩ عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا...».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَاثَقَكُم
فاعلكم من الوثاق، وهو إحكام الشد والربط؛ والمواثقة هي أخذ العهد المؤكد المتبادل.
بِذَاتِ الصُّدُورِ
الضمائر والسرائر والنوايا المستكنة في القلوب الصدور.
وَاذْكُرُوا
الواو عاطفة، اذكروا فعل أمر وفاعله.
نِعْمَةَ اللَّهِ
مفعول به منصوب، واسم الجلالة مضاف إليه، وعليكم متعلق بنعمة أو باذكروا.
وَمِيثَاقَهُ
معطوف على نعمة منصوب، والهاء مضاف إليه.
الَّذِي
اسم موصول مبني في محل نصب نعت لميثاقه.
وَاثَقَكُم بِهِ
جملة الصلة؛ واثق فعل ماض والكاف مفعول به وبه متعلق بواثق.
إِذْ قُلْتُمْ
إذ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بواثقكم أو باذكروا، وجملة قلتم مضاف إليها.
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
جملة مقول القول في محل نصب، مبنية على السمع للإدراك والطاعة للامتثال.
وَاتَّقُوا اللَّهَ
أمر بالتقوى لتوثيق الوفاء.
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
تذييل مقرر لإحاطة علم الله بالبواطن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط الوجداني والالتزام بالعقود السالفة:
لما فصّل الله تعالى في الآيات الست السابقة العقود والمحرمات ورخص الطهارة والوضوء؛ عطف بتذكير المؤمنين بالأساس الذي يوجب عليهم هذا الامتثال: وهو الميثاق الأعظم وكلمة {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}؛ في مقابل قول اليهود {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}؛ ليكون الحافز على العمل حافزاً إيمانياً باطناً مراقباً لعلم الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل ميثاق "سمعنا وأطعنا" خاص بالصحابة الذين حضروا البيعة؟:
يدفع الإشكال: قرر أئمة الأصول والتفسير أن الميثاق يتناول الصحابة رضي الله عنهم أصالة في بيعاتهم التاريخية، ويتناول كل مؤمن إلى قيام الساعة دلالة ولزوماً؛ لأن نطق الشهادتين والدخول في دين الإسلام هو عقد وميثاق شرعي صريح بين العبد وربه التزم فيه العبد بأن يسمع ويطيع لأوامر الله ونواهيه؛ فكل تكليف شرعي داخل تحت مظلة هذا الميثاق المعظم.
إضافة الميثاق إلى ضميره العلي {وَمِيثَاقَهُ}: تفخيم وتعظيم لشأن العهد؛ واقتران {سَمِعْنَا} بـ {أَطَعْنَا} كمال الأدب والسرعة في الامتثال؛ والتذييل بـ {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} تربية للضمير الإنساني على الإخلاص التام في السر والعلن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار عظمة البيعة والعهد الذي يحمله المسلم تجاه ربه، وتجنب النفاق والتلون.
مراقبة الله في خطرات القلوب وخلجات الصدور، وتطهير البواطن كما طُهرت الظواهر بالوضوء.