وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتدرج تحريم الخمر وصولاً إلى التحريم القاطع البات:
أخرج أحمد وأبو داود (رقم ٣٦٧٠)مصدر غير محددحديث رقم ٣٦٧٠ والترمذي (رقم ٣٠٤٩ وصححه) والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت آية البقرة {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت آية النساء {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ}، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا بياناً شافياً؛ فنزلت هذه الآية في المائدة: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ... فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}، فقال عمر رضي الله عنه بدموعه ووجدانه: "انتهينا يا رب، انتهينا!"».
وفي "الصحيحين" عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنت أسقي أبا طلحة وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء شَرَاباً من فَضِيخِ تَمْرٍ، فجاء آتٍ فقال: إن الخمر قد حُرّمت؛ فما قالوا حتى ننظر ونتأكد، بل قال أبو طلحة: قم يا أنس فاكسر هذه الجرار؛ قال: فقمت فكسرتها؛ فجرت سكك المدينة بالخمر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْخَمْرُ
ما خامر العقل وغطاه وستر عليه من كل مسكر، سواء كان من عنب أو تمر أو شعير أو عسل.
وَالْمَيْسِرُ
القمار بجميع صوره ومضارباته المحرمة.
وَالْأَنصَابُ
حجارة كان المشركون ينصبونها فيذبحون عندها تعظيماً لأصنامهم.
وَالْأَزْلَامُ
سهام الاستقسام التي كانوا يطلبون بها علم الغيب والحظ.
رِجْسٌ
نجس خبيث مستقذر شرعاً وعقلاً.
فَاجْتَنِبُوهُ
الاجتناب أبلغ صيغ التحريم؛ أي اجعلوا بينكم وبينه جانباً وبُعداً.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
نداء واستنهاض إيماني.
إِنَّمَا
كافة ومكفوفة أداة حصر.
الْخَمْرُ
مبتدأ أول مرفوع بالضمة.
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ
معطوفات على الخمر مرفوعة.
رِجْسٌ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وأفرده لأنه جنس أو لتقدير مضاف (أي كل واحد منها رجس).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط جاهلية الإدمان والقمار بعد إرساء دعائم المجتمع الطاهر:
قمة الإحكام التشريعي؛ بعد أن بيّن قواعد الأكل الحلال، وكفارات الأيمان، طهّر المجتمع المسلم نهائياً من أخبث عادات الجاهلية وأخطرها على العقل والمال والمجتمع: فقرن الخمر (أم الخبائث ومذهبة العقول) بالميسر (مبدد الأموال والبيوت) وبالأنصاب والأزلام (أوثان الشرك)؛ ليجعل رتبة تعاطي المسكرات والقمار في شرف البشاعة مساوية لعبادة الأوثان؛ فاستقر التحريم البات بأقوى أساليب الإلزام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة "عدم وجود كلمة حُرّمت صراحة" وتأكيد قطعية التحريم بـ {فَاجْتَنِبُوهُ}:
يدفع الإشكال: يزعم بعض الحداثيين والزنادقة أن الخمر لم تُحرم قطعاً في القرآن لأن الله لم يقل "حرمت عليكم الخمر" وإنما قال {فَاجْتَنِبُوهُ}!
وهذا جهل فاضح بلسان العرب وقواعد الشريعة، ورد عليه علماء الأمة بوجوه قاطعة:
لفظ الاجتناب أبلغ وأغلظ من لفظ التحريم: لأن "حرّمت" تمنع الفعل، أما "اجتنبوه" فتأمر بالابتعاد التام عن ذاته ومحيطه ومجالسه وحمله وبيعه وعصره؛ والقرآن استعمل "الاجتناب" في أعظم المحرمات كالشرك وعبادة الأوثان: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ}، وقوله: {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}.
وجوه التحريم المتعددة في الآية:
تصدير الآية بأداة الحصر {إِنَّمَا}.
وصفها بأنها {رِجْسٌ}، والرجس لا يكون إلا محرماً قطيعاً.
نسبتها إلى {عَمَلِ الشَّيْطَانِ}، وما كان من عمل الشيطان فهو حرام منكر.
الأمر الصريح الجازم {فَاجْتَنِبُوهُ}.
تعليق الفلاح على اجتنابها {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وما توقف عليه الفلاح فالإقدام عليه هلاك وخسران.