أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٤٦٩-٤٧٥)مصدر غير محدد١٠/٤٦٩ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة:
{يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ}: المعاصي وقول الزور والكذب وتجاوز حدود الله وتحريف التوراة.
{وَالْعُدْوَانِ}: الظلم والبغي والتعدي على حقوق الناس وأعراضهم وأموالهم بغير حق.
{وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ}: الرشوة في الأحكام القضائية، واستباحة الربا والغبن المحرم.
{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: قسم من الله تعالى مؤكد باللام بتقرير قبح عملهم وفظاعة ما ارتكبوه من المعاصي والآثام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَرَىٰ
الرؤية هنا بصرية أو قلبية علمية.
يُسَارِعُونَ
يستبقون ويتنافسون بنشاط واندفاع في ارتكاب المنكر.
الْإِثْمِ
الذنب الذي يستحق صاحبه العقوبة في خاصة نفسه.
وَالْعُدْوَانِ
التعدي على حقوق الآخرين وظلمهم.
السُّحْتَ
المال الحرام المستقبح الذي يمحق البركة.
وَتَرَىٰ
الواو عاطفة، ترى مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر.
كَثِيرًا
مفعول به منصوب بالفتحة.
مِّنْهُمْ
متعلق بنعت لمحذوف لكثيراً.
يُسَارِعُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من كثيراً أو مفعول ثانٍ لترى.
فِي الْإِثْمِ
متعلق بيسارعون.
وَالْعُدْوَانِ
معطوف مجرور.
وَأَكْلِهِمُ
معطوف مجرور، وهو مصدر مضاف لفاعله (الهاء والميم).
السُّحْتَ
مفعول به للمصدر "أكلهم" منصوب بالفتحة.
لَبِئْسَ
اللام موطئة للقسم، بئس فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم مبني على الفتح.
مَا
اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لبئس، أو نكرة تامة تمييز.
كَانُوا يَعْمَلُونَ
صلة الموصول، والمخصوص بالذم محذوف تقديره "عملهم هذا"، وجملة بئس جواب القسم لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتقاء من فضح النفاق العقدي إلى تفشي الفساد الاجتماعي والمالي:
تسلسل دقيق في تشريح سقوط المجتمع المنحرف؛ فبعد أن أبان كفرهم الباطن ونفاقهم، انتقل لبيان آثار ذلك الكفر في واقعهم العملي؛ فتحول مجتمعهم إلى غابة يتسابق أفرادها في الظلم، والعدوان، وأكل أموال الناس بالباطل والرشوة؛ فالفساد العقدي ينتج حتماً فساداً مالياً واجتماعياً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التفريق الدقيق بين الإثم والعدوان وأكل السحت:
جمعت الآية أركان الجريمة الثلاثة:
الإثم: ما كان ظلماً للنفس بين العبد وربه من المعاصي والمنكرات والكذب.
العدوان: ما كان تعدياً وبغياً وظلماً لغيره في الدماء والأموال والأعراض.
السحت: ما كان فساداً في النظام المالي كأكل الربا واستحلال الرشوة لتعطيل العدالة.
فلما استجمعوا هذه الركائز الفاسدة، استحقوا التقريع الإلهي الأعظم {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
التعبير بـ {يُسَارِعُونَ فِي} دون "إلى": المسارعة في الشيء تدل على أنهم مغموسون فيه بالفعل ويستبقون في قاعه؛ كأن المعصية أصبحت مضمار سباق يتنافسون فيه على الهلاك، بدلاً من أن يتسابقوا في الخيرات.
التنكير في {كَثِيرًا} والعدول عن التعميم: صيانة للميزان القرآني القائم على الإنصاف؛ فليس كل القوم متورطين بالدرجة ذاتها، بل كثير منهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من التسابق في الشهوات والمال الحرام والتفاخر باقتناصه، فإن ذلك مؤذن بخراب المجتمعات وزوال الدول.
ربط الاستقامة العقدية بنقاء المعاملات المالية، فلا يكمل إيمان عبد حتى يطيب مطعمه ومشربه ومكسبه.