أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٧٩٦-٨٠٦)مصدر غير محدد١٠/٧٩٦ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن البصري:
{أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ}: البوء هو الرجوع والانصراف بالشيء والتحمل له؛ والمعنى: أن ترجع بإثم قتلي (وهو وزر سفك دمي ظلماً) مضافاً إلى إثمك القديم الذي من أجله رُدّ قربانك؛ فتحمل الوزرين جميعاً.
وقيل: أن تؤخذ سيئاتي فتطرح عليك إذا لم تفِ حسناتك بالقصاص، كما ثبت في الحديث الصحيح عن المفلس يوم القيامة فيُؤخذ من سيئات المظلوم فتُطرح على الظالم ثم يُطرح في النار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَبُوءَ
ترجع وتتحمل وتلزم نفسك بالثقل؛ باء بالذنب إذا رجع متحملاً له مستوجباً لعقابه.
بِإِثْمِي
إثم قتلي وظلمي، وإضافته إلى نفسه إضافة المفعول إلى فاعله (أي الإثم الواقع عليّ).
وَإِثْمِكَ
إثمك وسوالف ذنوبك السابقة التي أسخطت بها ربك.
إِنِّي
إن واسمها في محل نصب.
أُرِيدُ
فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر، والجملة خبر إن.
أَن تَبُوءَ
أن حرف مصدري ونصب، تبوء مضارع منصوب والفاعل مستتر، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لأريد.
بِإِثْمِي
جار ومجرور متعلق بتبوء، والياء مضاف إليه.
وَإِثْمِكَ
معطوف على إثمي والكاف مضاف إليه.
فَتَكُونَ
الفاء عاطفة سببية، تكون مضارع ناقص معطوف على تبوء منصوب، واسمه مستتر.
مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ
متعلق بمحذوف خبر تكون.
وَذَٰلِكَ
الواو استئنافية، اسم إشارة مبتدأ.
جَزَاءُ الظَّالِمِينَ
جزاء خبر المبتدأ مرفوع، والظالمين مضاف إليه مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التحذير بالمآل الأخروي الحتمي:
لما وعظه هابيل بكف يده وأخبره بخوفه من الله؛ أراد في هذه الآية أن يصدعه بالوعيد الأخروي الهائل عسى أن يرتدع؛ فبيّن له أنه إن أصر على غيه ونفذ جريمته، فإنه سيخرج من هذه المعركة بأشنع خسران: محملاً بأوزار القتل والذنوب، مصيره الخلود في النيران جزاء ظلمه وعدوانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: كيف "يريد" الرجل الصالح أن يأثم أخوه ويدخل النار {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ}؟:
يدفع الإشكال: هذه مسألة دقيقة حققها أئمة اللسان والتفسير -كالزجاج والطبري وابن عطية والقرطبي-:
الإرادة هنا معلقة على شرط؛ والمعنى: "إن كان ولابد من وقوع القتل من أحدنا، فإنني أريد وأفضل أن تكون أنت القاتل فتبوء بالإثم، على أن أكون أنا القاتل فأبوء بالإثم وأدخل النار"؛ فالإرادة منصرفة إلى اجتناب القتل واختيار كونه مظلوماً لا ظالماً.
وقيل: التعبير بالإرادة هنا جاء من باب "الإخبار عن النتيجة الحتمية"؛ أي: إن صنيعك هذا يقودك حتماً إلى أن ترجع بإثمي وإثمك فتكون من أهل النار، فسمى المآل المحتوم إرادة على سبيل التحذير والتنفير الصارم.
الإيجاز البليغ في تركيب {بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ}: إيجاز جمع بين أصلين للعدالة الإلهية؛ فجريمة القتل لا تمحو سيئات القاتل بل تضاعفها وتضيف إليها مظلمة المقتول؛ وتذييل الآية بالقاعدة الكلية {وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} إعلان لقانون رباني مطرد في معاقبة كل من بغى وتعدى الحدود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بأن المظلوم وإن قُتل أو سُلب حقه في الدنيا، فإن ميزان القيامة كفيل برد الحقوق ونقل الأوزار إلى الظالم المعتدي.