أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٧٥٧-٧٦٥)مصدر غير محدد١٠/٧٥٧ وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما سمع موسى عليه السلام تلك المقالة الشنيعة من قومه ورأى إجماعهم على النكول والعصيان، ضاقت به الأرض بما رحبت، فرفع يديه متضرعاً إلى ربه شاكياً عجزه وخذلان قومه، فقال: {رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي}؛ أي لا أقدر على إجبارهم ولا يطيعني في هذا الجيش إلا أنا وأخي هارون (وقيل ومعهما يوشع وكالب)، ودعا ربه أن يفرق بينه وبين أولئك الفاسقين بالعدل والقضاء الفاصل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{فَافْرُقْ}: الفرق هو الفصل والتمييز بين الشيئين؛ والفرقان القضاء الحق الفاصل بين المطيع والعاصي.
{الْفَاسِقِينَ}: الفسق في أصل اللغة: خروج الرطبة أو التمرة من قشرتها؛ والمراد به هنا: الخارجون عن طاعة الله المتمردون على أمره المنحلون من ميثاقه.
الإعراب والتركيب:
{قَالَ رَبِّ}: قال فعل ماض والفاعل مستتر، رب منادى مضاف حذفت منه ياء المتكلم.
{إِنِّي لَا أَمْلِكُ}: إن واسمها، ولا نافية، وأملك مضارع مرفوع والفاعل مستتر، والجملة خبر إن.
{إِلَّا نَفْسِي}: إلا أداة حصر، نفسي مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{وَأَخِي}:
معطوف على نفسي منصوب تقديراً؛ أي: لا أملك طاعة إلا لنفسي وأخي هارون فإنه يوافقني ويطيعني.
أو معطوف على الضمير في "إني"؛ أي: أنا وأخي لا نملك إلا أنفسنا.
{فَافْرُقْ}: الفاء فصيحة مفرعة على الشكوى، افرق فعل دعاء مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين والفاعل مستتر.
{بَيْنَنَا}: ظرف مكان متعلق بافرق ونا مضاف إليه.
{وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}: معطوف على بيننا، والقوم مضاف إليه والفاسقين نعت مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان براءة القائد من خيانة الأمة:
نظم بديع يفيض بالأسى والجلال؛ فلما بلغ التمرد منتهاه، تبرأ موسى عليه السلام تبرؤاً صريحاً من تصرفاتهم، ورفع شكواه إلى محكمة العدل الإلهية؛ معلناً سقوط ولايته على هذا الجيش المتمرد، وطالباً المفاصلة التامة بالحق والقضاء العادل بين أهل الطاعة وأهل الفسوق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: أين كان الرجلان المؤمنان (يوشع وكالب) حين قال موسى {إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي}؟:
يدفع الإشكال: ذكر العلماء والمحققون أوجه التوجيه:
أن موسى عليه السلام إنما خص نفسه وأخاه هارون لأنهما النَّبِيّان المعصومان اللذان يثق بعصمتهما وامتثالهما المطلق يقيناً؛ أما سائر الأمة -بمن فيهم يوشع وكالب- فرعايا قد يعتريهم ما يعتري البشر؛ فخص النبيين قطعا للشك.
وقيل: إن لفظ "أخي" يدخل فيه هارون قطعاً، ويشمل الرجلين المؤمنين حكماً ومجازاً بإخوة الدين والإيمان والجهاد.
التضرع بلفظ الربوبية {رَبِّ} والحصر بـ {لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي}: استعطاف وافتقار يقطع نياط القلوب؛ وبيان لمدى الغربة والوحشة التي يعيشها القائد الرباني حين تخذله أمته؛ واستعمال لفظ {الْفَاسِقِينَ} إيذاناً بسقوط صفتهم الإيمانية ووقوع الحكم الإلهي عليهم بالخروج من الطاعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية المفاصلة والبراءة من أهل الفسوق والتمرد على شرع الله إذا استنفد الداعية كل سبل النصح.
الالتجاء إلى الله بالدعاء عند انقطاع الحيل الأرضية وتكالب الأزمات وخذلان الناصرين.