أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٦٧٣-٦٨٤)مصدر غير محدد١٠/٦٧٣ وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من يهود المدينة -منهم بحري بن عمرو ونعمان بن آسا- فكلموه وكلّمهم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد؟ نحن والله أبناء الله وأحباؤه! كقول النصارى في تعظيمهم للمسيح وقربهم بزعمهم؛ فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم وإلزاماً بالحجة: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَبْنَاءُ اللَّهِ
أطلقوها على سبيل التشريف والتبني والمكانة المزعومة (كما في تحريفات أسفارهم "إسرائيل ابني البكر")؛ وقيل أطلقوها على الحقيقة كقول النصارى في المسيح، أو زعموا أنهم مدللون عند الله لا يعذبهم أبداً إلا تحلة القسم كقولهم {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ}.
وَأَحِبَّاؤُهُ
جمع حبيب، أي المقربون الذين يحبهم حباً مانعاً من مؤاخذتهم وعذابهم.
وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ
فعل وفاعل ومعطوف عليه.
نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ
مقول القول؛ نحن مبتدأ، أبناء خبر مرفوع، والله مضاف إليه.
وَأَحِبَّاؤُهُ
معطوف على أبناء مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه.
قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم
الفاء رابطة لجواب مقدر، اللام حرف جر، ما استفهامية حذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها وبقيت الميم، والجار والمجرور متعلق بيعذب؛ يعذبكم مضارع مرفوع والكاف مفعول به والفاعل هو الله، وبذنوبكم متعلق بيعذب.
بَلْ أَنتُم بَشَرٌ
بل حرف إضراب وإبطال لزعمهم، أنتم مبتدأ، بشر خبر مرفوع بالضمة.
مِّمَّنْ خَلَقَ
ممن متعلق بنعت لبشر، وجملة خلق صلة الموصول.
يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ
جملتان مستأنفتان لتقرير المشيئة والعدل الإلهي في الثواب والعقاب.
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
مبتدأ وخبر.
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
تقديم الجار والمجرور للحصر، أي إليه المرجع للحساب والجزاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط الاستعلاء العرقي والمفاضلة بالعمل:
كشفت الآية الكريمة عن الجذر النفسي الذي يجمع اليهود والنصارى في التمرد على الوحي؛ وهو شعورهم بالاستعلاء العنصري الزائف وأنهم شعب الله المختار وأبناؤه وأحباؤه؛ فجاء الرد القرآني الحاسم بكسر هذه العنصرية وإرجاعهم إلى أصلهم البشري {بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ} وإخضاعهم للناموس العام: المغفرة والعذاب تابعان للعدل الإلهي والعمل، لا للنسب والدعاوى الكاذبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإضراب الإبطالي بـ {بَلْ} والتنكير في {بَشَرٌ}: صدمة بيانية تسحق كبرياءهم؛ ردّهم من مرتبة البنوة المزعومة للإله إلى حقيقة البشرية المخلوقة؛ وجملة {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} تقرير لسيادة العدل والحرية الإلهية المطلقة التي لا يُلزمها أحد بباطل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إسقاط العنصرية والاستعلاء القومي؛ فلا فضل لأحد عند الله إلا بالتقوى والعمل الصالح.
تحذير المسلمين من الاتكال على مجرد الانتساب للإسلام مع ترك العمل، فميزان الله عدل لا يحابي أحداً.