أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٥٠٦٣)مصدر غير محددحديث رقم ٥٠٦٣ ومسلم (رقم ١٤٠١)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٠١ عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، وقال بعضهم: أقوم ولا أنام؛ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"».
وأخرج الطبري (ج ١٠، ص ٦٤١-٦٥٠)مصدر غير محدد١٠/٦٤١ وابن أبي حاتم والترمذي عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد: «نزلت في عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وجماعة عزموا على التبتل وخصاء أنفسهم وتحريم الطيبات من المطاعم والملابس والنساء ولبس المسوح؛ فنهاهم الله عن ذلك وأنزل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
طَيِّبَاتِ
جمع طيبة، وهو المستلذ النافع الحلال من المآكل والمشارب والملابس والمناكح.
وَلَا تَعْتَدُوا
الاعتداء هنا: مجاوزة الحلال إلى الحرام، أو الغلو بالتحريم لما أحل الله، أو الإسراف في تناول الطيبات.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
نداء إيماني للتشريع.
لَا تُحَرِّمُوا
لا ناهية جازمة، تحرموا مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
طَيِّبَاتِ
مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
مَا
اسم موصول مضاف إليه مبني على السكون في محل جر.
أَحَلَّ اللَّهُ
ماضٍ والله فاعله والجملة صلة الموصول والعائد محذوف (أحله).
لَكُمْ
متعلق بأحل.
وَلَا تَعْتَدُوا
معطوف مجزوم بحذف النون.
إِنَّ اللَّهَ
إن واسمها.
لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
جملة فعلية خبر إن، المعتدين مفعول به منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع موازين الحلال والوسطية بعد ذكر رهبانية النصارى:
اتصال بديع بالغ الدقة؛ بعد أن مدح في الآيات السابقة تواضع رهبان الحبشة وبكاءهم {ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا}، خشي بعض المسلمين أن تكون الرهبانية المحرفة والتبتل وترك الطيبات هي طريق القربى إلى الله، فهمّ طائفة من خيار الصحابة بترك اللحم والنساء والنوم؛ فجاءت هذه الآية لترسي المعيار الإسلامي الأصيل: لا رهبانية في الإسلام؛ ودين الله وسط بين غلو النصارى وتفريط المشركين، فلا يُتقرب إلى الله بتحريم ما أحل من الطيبات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مناط الاعتداء في {وَلَا تَعْتَدُوا} والتفريق بين الزهد الشرعي والتحريم البدعي:
يدفع الإشكال: هل يذم الزهد وترك بعض المباحات تعبداً؟
والتحقيق الأصولي:
تحريم الحلال اعتقاداً أو التزاماً نذرياً بدعياً: محرم قطيعاً وهو اعتداء وتأله على الله وافتئات على شريعته.
الترفع عن فضول المباحات رغبة في التخفف وإقبالاً على العبادة مع اعتقاد حلها: مشروع بشرط ألا يؤدي إلى إضعاف البدن عن الواجبات أو تضييع حقوق الأهل والأولاد؛ فإن أدى إلى ذلك صار اعتداءً مذموماً.
إضافة {طَيِّبَاتِ} إلى {مَا أَحَلَّ اللَّهُ}: تنبيه لطيف على أن ما أحله الله هو الطيب حقيقة وذاتاً، وما حرمه هو الخبيث؛ فكيف يعرض العاقل عن الطيب النافع الذي امتن به الكريم المنان؟!
النهي العام في {وَلَا تَعْتَدُوا} والتذييل بـ {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}: استيعاب لكل صور التجاوز، سواء بالإفراط (بالتحريم والتنطع) أو بالتفريط (بالإسراف ومواقعة المحرمات).
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار نعمة الشريعة في التوازن بين مطالب الجسد وأشواق الروح، والاستمتاع بالحلال الطيب بنية التقوي على طاعة الله.
نبذ التشدد والتنطع في الدين، والالتزام بالسنة النبوية السمحاء.