وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وسياق آية الوضوء والتيمم:
أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٣٣٤ و ٣٧٧٣ و ٤٦٠٨) ومسلم (رقم ٣٦٨)مصدر غير محددحديث رقم ٣٦٨ من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم ونزل، فثنى رأسه في حجري راقداً، وأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال: حبستِ رسول الله والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء! فأنزل الله تعالى رخصة التيمم، فقال أسيد بن حضير: «ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر!».
تفسير أركان الوضوء وغسل الرجلين في السنة المطهرة:
روى البخاري في "صحيحه" (رقم ٦٠ و ١٦٣) ومسلم (رقم ٢٤١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤١ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: تخلّف عنا النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة أدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويلٌ للأعقاب من النار! ويلٌ للأعقاب من النار! أسبغوا الوضوء».
وروى مسلم (رقم ٢٢٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٦ من حديث حمران مولى عثمان رضي الله عنه أن عثمان دعا بوضوء فتوضأ، ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، ومسح برأسه، ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً، ثم قال: «رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{الْمَرَافِقِ}: جمع مرفق، وهو المفصل العظمي الجامع بين الذراع والعضد؛ وسُمي مرفقاً لأنه يُرتفق به في الاتكاء والاستناد.
{الْكَعْبَيْنِ}: تثنية كعب، وهما العظمان الناتئان البارزان في أسفل الساق عند مفصل القدم والساق.
{صَعِيدًا}: الصعيد في لسان العرب: وجه الأرض وترابها الطاهر المرتفع، سواء كان تراباً أو رملاً أو حجراً.
{لَامَسْتُمُ}: اللمس والملامسة؛ يطلق حقيقة على التقاء البشرة بالبشرة، ويطلق كناية على الجماع والوطء.
الإعراب والتركيب وتوجيه القراءات المتواترة:
{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ}: إذا ظرف متضمن معنى الشرط متعلق بفاغسلوا، وقمتم فعل ماض والتاء فاعل، والتقدير: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون.
{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، اغسلوا فعل أمر والواو فاعل، وجوهكم مفعول به منصوب.
{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}: معطوف على وجوهكم، وإلى حرف غاية بمعنى "مع" أي مع المرافق.
{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}: فعل أمر وفاعله، والباء للإلصاق؛ رؤوسكم مجرور بالباء محلاً مفعول به لمسحوا.
{وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}:
قرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي: {وَأَرْجُلَكُمْ} بالنصب؛ وفيه وجهان إعرابيان:
معطوف على المنصوب قبله وهو {وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ}، والتقدير: واغسلوا أرجلكم؛ وهو مذهب جماهير أهل السنة والجماعة.
منصوب محلاً بالعطف على محل {بِرُءُوسِكُمْ}؛ لأن محله النصب مفعول به لمسحوا.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة: {وَأَرْجُلِكُمْ} بالجر؛ وله ثلاثة توجيهات لغوية متينة عند أهل السنة:
الجر على المجاورة: كقول العرب (جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ)؛ فجُرت لمجاورتها للمجرور (برءوسكم) مع كون حكمها الأصلي الغسل.
حمل قراءة الجر على "المسح على الخفين"؛ فإذا كان متنعلاً مسح بالجر، وإذا كان كاشفاً غسل بالنصب؛ فيكون الجمع بين القراءتين جامعاً للحكمين.
أن المسح يطلق في كلام العرب على الغسل الخفيف؛ فخُفف غسل الرجلين صيانة للماء دون ترك إيصاله إلى الأعقاب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعجاز الترتيب والتناسق التشريعي:
بعد أن نظمت السورة طهارة المآكل والمشارب والأنكحة في الآيات الخمس الأولى؛ انتقلت إلى أعظم أركان الطهارة البدنية والروحية: طهارة الصلاة، فجمعت الآية أصول الطهارة الصغرى (الوضوء) والكبرى (الغسل) والبدلية (التيمم)؛ وأدخلت الممسوح (الرأس) بين المغسولات (الوجه واليدين والرجلين) للدلالة الإعجازية على وجوب "الترتيب" بين الأعضاء وموالاتها كما قرره الشافعي وأحمد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة الاكتفاء بمسح ظاهر القدمين ورد مقالة الرافضة:
يدفع الإشكال: ذهب الشيعة الإمامية إلى وجوب مسح ظاهر القدمين دون غسلهما استدلالاً بظاهر قراءة الجر؛ وهذا تأويل باطل سحقه أئمة الإسلام بالحجج القطعية:
تواتر السنة العملية القاطعة: لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث واحد صحيح ولا حسن أنه مسح على رجليه عاريتين قط؛ بل كان يغسلهما ويخلل أصابعهما ويدلك كعبيه، وسنته صلى الله عليه وسلم هي المبينة والشارحة للمجمل القرآني.
الوعيد النبوي الصريح: قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر: «ويلٌ للأعقاب من النار»؛ والأعقاب لا تصيبها النار إلا إذا أُهمل غسلها، فلو كان الفرض مجرد المسح لما كان للعقب مدخل في التطهير والوعيد؛ لأن المسح يقع على ظاهر القدم فقط.
التحديد بالغاية {إِلَى الْكَعْبَيْنِ}: في لسان العرب إنما تقترن الغاية بالمغسولات كما قال {إِلَى الْمَرَافِقِ}، بينما أطلق في الممسوح {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} و{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} دون تحديد غاية؛ فدل تحديد غاية الرجلين بالكعبين على أن حكمهما الغسل كالأيدي.