أخرج الطبري (ج ٩، ص ٥٨٤-٥٩٢)مصدر غير محدد٩/٥٨٤ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أمر الله المؤمنين أن يقيموا شهادتهم بالعدل والحق خالصاً لوجهه الكريم، ونهاهم أن يحملهم بغضهم للكفار والمنافقين والأعداء على ترك العدل فيهم؛ بل أوجب عليهم أداء الأمانة والعدل مع الصديق والعدو على السواء.
وروى أحمد في "المسند" (رقم ٦٨٤٨)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٦٨٤٨ والنسائي وصححه ابن حبان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قَوَّامِينَ
صيغة مبالغة تفيد الرسوخ والمبالغة في القيام بالحق وإدامته في كل الأحوال.
بِالْقِسْطِ
بالعدل السوي والميزان المستقيم.
شَنَآنُ
البغض الشديد والكراهية.
لَا يَجْرِمَنَّكُمْ
لا يحملنكم ولا يكسبنكم الجرم والعدوان.
كُونُوا
فعل أمر ناقص والواو اسمها.
قَوَّامِينَ
خبر كان أول منصوب بالياء.
لِلَّهِ
متعلق بقوامين.
شُهَدَاءَ
خبر ثانٍ لكان منصوب بالفتحة غير منون لأنه على وزن فُعَلاء ممنوع من الصرف.
بِالْقِسْطِ
متعلق بشهداء.
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
يجرم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا، والكاف مفعول أول، وشنآن فاعل وقوم مضاف إليه.
عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا
على حرف جر، وأن مصدرية ولا نافية، وتعدلوا مضارع منصوب؛ والمصدر المؤول في محل جر بعلى، والجار والمجرور متعلق بيجرم أو بمحذوف مفعول ثانٍ (أي على الجور وترك العدل).
اعْدِلُوا
فعل أمر مستأنف مؤكد للحكم.
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ
هو ضمير منفصل مبتدأ يعود على العدل المفهوم من اعدلوا، وأقرب خبر وللتقوى متعلق بأقرب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقارنة المعجزة مع آية النساء (الآية ١٣٥):
قال في النساء (١٣٥): {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ}، وقال هنا في المائدة (٨): {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ}؛ وهذا من أعظم أسرار النظم القرآني:
سياق سورة النساء كان في محاكمة النفس والأقارب والوالدين واليتامى والأموال؛ فناسب تقديم {بِالْقِسْطِ} لأن النفس تميل إلى محاباة القريب والغني والفقير، فالعدل هناك هو المبتغى الشاق.
أما سياق المائدة فهنا في مواجهة الأعداء والمشركين الذين يشتد بغضهم في القلوب؛ فناسب تقديم الإخلاص {لِلَّهِ} أولاً؛ لأن كبح جماح الانتقام من العدو المبغض لا يستطيعه العبد إلا إذا قام لله خالصاً مجرداً عن هوى النفس والانتصار للذات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يكون العدل "أقرب" للتقوى وهو عين التقوى؟:
إن العدل وسيلة مفضية بيقين إلى تحصيل كمال التقوى؛ فمن اعتاد العدل مع عدوه اللدود كان بالضرورة أشد عدلاً وأتقى لله مع نفسه وأهله ومجتمعه.
التعبير بأقرب أسلوب عربي رفيع في الحث؛ كأنه قيل: إن كنتم تبغون التقوى وتطلبون الوصول إليها، فأقرب طريق وأخصر سبيل لتحقيقها هو إقامة العدل في الخصومات؛ فإذا انتفى العدل انتفت التقوى بالكلية.