أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٨٢٩-٨٤٥)مصدر غير محدد١٠/٨٢٩ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة:
{فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}: قال ابن عباس: «من قتل نفساً واحدة محرمة بغير حق فهو عند الله في وزر من قتل الناس جميعاً؛ لأن حرمة الدماء واحدة، ومن استحل دم مسلم واحد فقد استحل دماء الخلق كلهم وهتك حمى العدل الإلهي».
{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}: قال مجاهد وقتادة: «من أنجاها من هلكة، أو غرق، أو حرق، أو عفا عن دمها بعد وجوب القصاص؛ فله من الأجر كمن أحيا الناس جميعاً».
بيان إسراف بني إسرائيل في الدماء: وعن قتادة: ولقد جاءت بني إسرائيل رسلهم بالمعجزات والبينات تحرم عليهم الدماء، ثم كان ديدن كثير منهم الإسراف في القتل والفساد وسفك الدماء بغير حق كقتلهم الأنبياء والصالحين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ
الأجل هو السبب والعلة، أي بسبب جناية ابن آدم وظلمه وسنه القتل شُددت حرمة الدماء.
فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ
الشرك بالله، وقطع الطريق، والحرابة، والزنا بعد الإحصان، والخروج على جماعة المسلمين.
لَمُسْرِفُونَ
الإسراف هو مجاوزة الحد والاعتداء المفرط في إراقة الدماء المحرمة.
مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ
جار ومجرور متعلق بكتبنا، وذلك اسم إشارة مضاف إليه.
كَتَبْنَا
فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل.
عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ
متعلق بكتبنا.
أَنَّهُ
أن واسمها ضمير الشأن في محل نصب مفعول به لكتبنا.
مَن قَتَلَ نَفْسًا
من اسم شرط مبتدأ، قتل فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، ونفساً مفعول به منصوب.
بِغَيْرِ نَفْسٍ
متعلق بمحذوف نعت لنفساً، أي بغير قصاص لنفس مقتولة.
أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ
معطوف على نفس، وفي الأرض نعت لفساد.
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا
الفاء رابطة لجواب الشرط، كأنما كافة ومكفوفة تفيد التشبيه المؤكد، قتل فعل ماض، الناس مفعول به، وجميعاً توكيد معنوي منصوب، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
الواو عاطفة، اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق، جاءتهم فعل ومفعول، ورسلنا فاعل وبالبينات متعلق بجاءت.
ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم
إن واسمها، ومنهم نعت لكثيراً.
بَعْدَ ذَٰلِكَ
ظرف زمان.
فِي الْأَرْضِ
متعلق بلمسرفون.
لَمُسْرِفُونَ
اللام المزحلقة، مسرفون خبر إن مرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتقاء من الواقعة الفردية إلى القانون التشريعي العالمي:
براعة تشريعية معجزة؛ نقل القرآن الواقعة الفردية لجريمة ابني آدم إلى أفق التشريع الكلي العام لكافة البشرية؛ فقرر أن الاعتداء على نفس واحدة بريئة هو في حقيقته اعتداء على جنس الإنسانية جمعاء واستهانة بحق الحياة الذي منحه الخالق؛ ثم قرع بني إسرائيل الذين حُملوا هذا الميثاق قديماً بأنهم تجاوزوا الحدود وأسرفوا في سفك الدماء الزكية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
وجه التشبيه المعجز في {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}:
يدفع الإشكال: تساءل بعضهم: كيف يتساوى وزر قتل شخص واحد بوزر قتل مليارات البشر؟
بيّن أئمة التحقيق -كالرازي وابن تيمية والشاطبي- أسرار هذا التشبيه العظيم:
من حيث الجرأة والمبدأ: من استحل قتل بريء واحد دون مسوغ شرعي، فإنه قد أهدر عصمة الدم وألغى مبدأ قدسية النفس الإنسانية؛ فإن الجرأة التي دفعته لقتل هذا الفرد تدفعه لقتل غيره؛ فصار معادياً للمجتمع الإنساني بأسره.
من حيث الأثر الاجتماعي: فقتل البريء يزعزع الأمن ويهدد المجتمع بالثارات والحروب التي تفني الأمم؛ وإحياء النفس بالعدل والإنقاذ يؤمن المجتمع ويحفظ النوع الإنساني.
من حيث القصاص: فالشريعة توجب قتل القاتل قصاصاً وتعتبر دمه هدراً كما لو كان قد جنى على الكافة.