تفسير الآثار في إثابة أهل الإيمان الصادق من نصارى الحبشة:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٦٣١-٦٣٦)مصدر غير محدد١٠/٦٣١ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدي: «{فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا}: جازاهم الله وأعطاهم ثواباً بما أعلنوا بألسنتهم من الإيمان الصادق المنطوي على تصديق القلوب وخضوع الجوارح؛ {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}: بساتين عظيمة النعيم تجري خلال أشجارها وقصورها أنهار الماء والعسل واللبن والخمر؛ {خَالِدِينَ فِيهَا}: دائمين فيها لا يخرجون منها ولا يحولون؛ {وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ}: ذلك النعيم المقيم جزاء كل من أحسن في إيمانه وعمله وتواضع للحق».
وروى البخاري (رقم ١٣٢٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٢٧ ومسلم (رقم ٩٥١)مصدر غير محددحديث رقم ٩٥١ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مات النجاشي نعاه إلى أصحابه فقال: «مات اليوم رجل صالح بأرض الحبشة، فهلم فصلوا عليه؛ فصففنا فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب وكبر أربعاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَأَثَابَهُمُ
أثاب يثيب إثابة، أي جازاهم بالثواب الجزيل وقابل قولهم بالخلود في النعيم.
بِمَا قَالُوا
الباء سببية، والقول هنا يتضمن الإيمان القلبي والاعتراف اللساني والعمل الصالح؛ لأن القول المجرد نفاق لا يثاب عليه.
الْمُحْسِنِينَ
الذين أحسنوا في الاعتقاد والعمل وأخلصوا لله وتبعوا رسوله.
فَأَثَابَهُمُ
الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب والسببية، أثاب ماضٍ والهاء مفعول به أول والميم للجمع.
اللَّهُ
لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة.
بِمَا قَالُوا
الباء سببية وما مصدرية أو موصولة وجملة قالوا صلة، والجار والمجرور متعلق بأثاب.
جَنَّاتٍ
مفعول به ثانٍ لأثاب منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
تَجْرِي
مضارع مرفوع بضمة مقدرة.
مِن تَحْتِهَا
متعلق بتجري والهاء مضاف إليه.
الْأَنْهَارُ
فاعل تجري، والجملة في محل نصب نعت لجنات.
خَالِدِينَ
حال منصوبة بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
فِيهَا
متعلق بخالدين.
وَذَٰلِكَ
الواو استئنافية، اسم إشارة مبتدأ.
جَزَاءُ
خبر المبتدأ مرفوع، والمحسنين مضاف إليه مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إنجاز الوعد الإلهي ونيل الطمع المشروع:
ترابط باهر لا نظير له؛ فلما قالوا في الآية السابقة تضرعاً وطمعاً: {وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ}، عجل الله لهم البشارة في هذه الآية مباشرة بالفاء السببية المتعقبة: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ...}؛ فاستجاب طمعهم، وأبدل رجاءهم يقيناً، وأدخلهم في زمرة المحسنين المكرمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة {بِمَا قَالُوا} وأن الجزاء على القول المصحوب بالاعتقاد لا مجرد اللسان:
يدفع الإشكال: قد يتوهم واهم أن مجرد القول باللسان يوجب دخول الجنات دون إيمان باطن أو عمل!
والتحقيق العقلي والشرعي:
عبّر بالقول هنا عن المجموع المركب من: تصديق الجنان، وإقرار اللسان، وإذعان الأركان؛ بدليل أن المنافقين قالوا بألسنتهم {آمَنَّا بِاللَّهِ} وقال الله عنهم {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}؛ فلما رتب الثواب العظيم والخلود في الجنات على قول وفد الحبشة دل قطعاً على أن قولهم كان صادراً عن عقيدة يقينية وخشوع خالص أثبته الدمع والبكاء والانقياد لشريعة الإسلام؛ فاستحقوا وصف {الْمُحْسِنِينَ}.
سرعة التعقيب بالفاء في {فَأَثَابَهُمُ}: إشعار بكرم الله العظيم، وأنه لا يؤخر ثواب المحسنين، بل يعجل لهم البشارة والرضوان.
التذييل بـ {وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ}: رفع لرتبتهم، فجعلوهم من أهل "الإحسان" وهي أعلى مراتب الدين؛ جزاءً لتواضعهم للحق وبكائهم عند سماع آياته وانقيادهم التام لنوره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بأن الله تعالى يجزي على الصدق ويفيض على التائبين من واسع كرمه وفضله ما يفوق طمعهم ورجاءهم.
الحرص على بلوغ رتبة الإحسان في مراقبة الله وصدق الانقياد لأمره.