سياق نزول التوراة ومسألة كفر من لم يحكم بما أنزل الله:
أخرج أحمد في "المسند" (رقم ٢٤٦٦)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢٤٦٦ والترمذي وأبو داود والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أنزل الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، و{فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، و{فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} في اليهود خاصة؛ في قريظة والنضير في شأن الرجم والديات».
وروى الطبري (ج ١٠، ص ٩٧٣-٩٩٥)مصدر غير محدد١٠/٩٧٣ والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" والدارمي والحاكم وصححه، عن طاووس قال: قال رجل لابن عباس: من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر؟ قال ابن عباس: «إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه؛ إنه ليس كفراً ينقل عن الملة؛ {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}: كفرٌ دون كفر، وظلمٌ دون ظلم، وفسقٌ دون فسق».
وعن عطاء بن أبي رباح: «كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم».
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «الرشوة في الحكم كفر، وهي بين الناس سحت».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
التَّوْرَاةَ
الكتاب العظيم المنزل على موسى عليه السلام، واشتقاقها عند البصريين من وَرَى الزَّنْدُ يَرِي إذا أضاء وأخرج ناره، لما فيها من الضياء والنور.
الرَّبَّانِيُّونَ
جمع رباني، وهو العالم الحكيم الراسخ في العلم والعمل والتربية الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون للمبالغة.
وَالْأَحْبَارُ
جمع حَبْر (بفتح الحاء وكسرها)، وهو العالم الواسع العلم؛ مأخوذ من التَّحْبير وهو التحسين والإتقان، أو من الحِبْر الذي يُكتب به.
اسْتُحْفِظُوا
كُلّفوا بحفظه ورعايته ومنع تبديله من الاستحفاظ وهو طلب الحفظ.
إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ
إن واسمها، وجملة أنزلنا التوراة خبرها.
فِيهَا هُدًى وَنُورٌ
جار ومجرور خبر مقدم، وهدى مبتدأ مؤخر، ونور معطوف عليه، والجملة في محل نصب حال من التوراة.
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ
يحكم مضارع مرفوع، بها متعلق بيحكم، النبيون فاعل مرفوع بالواو.
الَّذِينَ أَسْلَمُوا
نعت للنبيين، وجملة أسلموا صلة.
لِلَّذِينَ هَادُوا
متعلق بيحكم، أو بحال من النبيين؛ أي يحكمون لأجل الذين هادوا أو عليهم.
وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ
معطوفان على النبيون مرفوعان بالواو.
بِمَا اسْتُحْفِظُوا
متعلق بيحكم، أو بفعل محذوف تقديره "يحكمون بما كلفوا حفظه"، وما موصولة أو مصدرية.
مِن كِتَابِ اللَّهِ
متعلق بمحذوف حال.
وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ
معطوف على استُحفظوا، وشهداء خبر كان منصوب.
فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ
فاء فصيحة، لا ناهية جازمة، تخشوا مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل، الناس مفعول به، واخشونِ فعل أمر مبني على حذف النون والنون للوقاية والياء المحذوفة رسماً مفعول به.
شرط وجوابه؛ الكافرون خبر المبتدأ أولئك، وهم ضمير فصل لا محل له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تأصيل مشروعية الحكم الإلهي عبر تاريخ النبوات:
بعد أن عجب من إعراضهم عن التوراة والقرآن؛ بيّن الله هنا المكانة الجليلة لكتابه التوراة في أصله النقي؛ فبين أنه كتاب هداية ونور حكم به أنبياء بني إسرائيل المتعاقبون المستسلمون لحكم الله، وسار على نهجهم الربانيون والعلماء الصادقون؛ ثم حذر العلماء والقضاة من الخوف من الناس أو بيع الفتاوى بالثمن القليل، وختم بالقاعدة الكبرى التي تفصل بين الإيمان الحق وبين الكفر بالحكم الإلهي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحرير مذهب أهل السنة في آية {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ورد غلو الخوارج:
يدفع الإشكال: هذه الآية من أعظم الآيات التي زلت فيها أفهام الخوارج والتكفيريين قديماً وحديثاً حيث جعلوها سيفاً لتكفير كل من وقع في معصية أو قصر في حكم؛ وحرر أئمة الإسلام الراسخون -كابن عباس، وأحمد بن حنبل، وإسماعيل القاضي، وابن عبد البر في "التمهيد"، وابن تيمية في "منهاج السنة"، وابن القيم في "مدارج السالكين"، والشنقيطي في "أضواء البيان"- التفصيل العقدي القاطع:
الكفر الأكبر المخرج من الملة: يقع في حالات مجمَع عليها:
من جحد حكم الله وأنكره، كمن أنكر وجوب الصلاة أو حرمة الزنا والربا، أو جحد شرعية القصاص.
من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، واعتقد بقلبه أو صرّح بلسانه أن القوانين الوضعية الوضعية البشرية أفضل من شريعة الله أو مساوية لها، أو أن الحكم بالشريعة لم يعد صالحاً لهذا الزمان؛ فهذا كافر كفراً أكبر بإجماع الأمة؛ لأنه كذّب صريح القرآن.
الكفر الأصغر (كفر دون كفر / ظلم دون فسق):
وهو الحاكم أو القاضي الذي يقر ويعتقد في باطنه أن شريعة الله هي الحق الواجب والعدل المطلق، ولكنه حكم في واقعة معينة بغير حكم الله اتباعاً لهوى نفس، أو رشوة أخذها، أو محاباة لقريب، وهو يعلم أنه عاصٍ لله مستحق للعقوبة؛ فهذا كفره كفر عملي أصغر، وظلم وفسق لا يخرجه من دائرة الإسلام والملة بالكلية، وهو مذهب ابن عباس وجماهير أهل السنة والجماعة، ولا يجوز تكفيره عيناً بمجرد هذا الفعل ما لم يستحل ذلك بقلبه.
شبهة: كيف قال عن أنبياء بني إسرائيل {الَّذِينَ أَسْلَمُوا} وهم يهود؟:
يدفع الإشكال: هذه حقيقة قرآنية كبرى؛ فدين جميع الأنبياء من آدم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم واحد وهو "الإسلام"؛ أي الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك؛ فموسى والأنبياء بعده كانوا مسلمين حنفاء مخلصين، ولم يكونوا يهوداً بالمعنى المذهبي والتحريفي القومي الذي ابتدعه المتأخرون.
السر البلاغي في قوله {بِمَا اسْتُحْفِظُوا} مقارنة بحفظ القرآن {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}:
نكتة إعجازية استنبطها أئمة التحقيق: إن الكتب السابقة وُكل حفظها إلى البشر وأحبارهم {بِمَا اسْتُحْفِظُوا}، فلما وكّل الحفظ إليهم وقع فيها التحريف والتبديل؛ أما القرآن الكريم فتولى الله حفظه بذاته العلية ولم يكله إلى أحد {إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}؛ فلذلك بقي القرآن محفوظاً بحرف ورسمه وإعجازه لا يتطرق إليه تبديل إلى يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد الخشية لله وحده، ووجوب الصدع بالحق في الفتوى والقضاء دون خوف من الحكام أو الجماهير {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ}.
تعظيم أمانة العلم، والحذر من التنازل عن مبادئ الشرع لابتغاء المكاسب والمناصب الدنيوية الزائلة {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}.