أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١٠، ص ٤٦٤-٤٦٨)جامع البيانالطبري١٠/٤٦٤ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: نزلت هذه الآية في المنافقين من يهود المدينة الذين كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظهرون الإيمان بأفواههم كذباً وخديعة ومداهنة للمسلمين؛ فقال الله تعالى كاشفاً سريرتهم: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ}؛ أي دخلوا مجالسكم وهم مستمسكون بكفرهم لم يؤثر فيهم سماع الوحي والقرآن شيئاً، وخرجوا من عندكم بذلك الكفر بعينه لم يتزحزحوا عنه قيد أنملة؛ كالحمار يحمل أسفاراً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ
الباء للمصاحبة؛ أي دخلوا والكفر مقارن لهم ومستقر في سويداء قلوبهم.
خَرَجُوا بِهِ
خرجوا مصاحبين للكفر عينه دون أن يمس قلوبهم نور النبوة.
يَكْتُمُونَ
يخفون في صدورهم من العداوة والمكر والتكذيب.
وَإِذَا
الواو عاطفة، إذا ظرف زمان شرطي.
جَاءُوكُمْ
ماضٍ وفاعله ومفعوله، والجملة مضاف إليها إذا.
قَالُوا
جواب الشرط لا محل له، والواو فاعل.
آمَنَّا
ماضٍ وفاعله، والجملة مقول القول في محل نصب.
وَقَد دَّخَلُوا
الواو حالية، قد حرف تحقيق، دخلوا ماضٍ وفاعله والجملة في محل نصب حال من واو قالوا.
بِالْكُفْرِ
جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من واو دخلوا (أي ملتبسين بالكفر).
وَهُمْ
الواو عاطفة أو حالية، هم ضمير منفصل مبتدأ.
قَدْ خَرَجُوا بِهِ
قد حرف تحقيق، خرجوا ماضٍ والواو فاعل وبه متعلق بمحذوف حال، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ هم؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
الواو استئنافية، الله مبتدأ وأعلم خبره، وبما متعلق بأعلم وما موصولة، وكانوا واسمها ويكتمون خبرها وجملة الصلة لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح العقم القلبي والاستغراق التام في الضلال:
سياق يكشف حجم الصلادة والخبث في تلك النفوس؛ فبعد أن بين سوابقهم في المسخ وعبادة الطاغوت، أبان هنا عن بلادتهم الحاضرة؛ فهم يجلسون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمعون القرآن العظيم غضاً طرياً ومع ذلك يدخلون بكفرهم ويخرجون به دون أن يرتد إليهم طرفهم بهداية!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع التوهم بأن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم يُلزم بالهداية جبراً:
تبين الآية حقيقة عقدية عقلية: وهي أن مجرد المجاورة المكانية أو الجلوس في مجالس الذكر والأنبياء لا ينفع العبد إذا كان قلبه مقفلاً بنية الكفر والمكر؛ فالهداية توفيق إلهي مشروط باستعداد القلب لقبول الحق؛ أما من دخل معانداً وخرج مصراً، فلن تغني عنه صحبة الصالحين شيئاً.
المطابقة البديعة بين الدخول والخروج مع ملازمة الكفر:
جملة {وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} رسمت صورة نفسية متحركة في غاية الإعجاز؛ باء المصاحبة في الموضعين تدل على أن الكفر كان رفيقاً ملازماً لا يفارقهم لحظة واحدة، دخلوا به مغلفين وخرجوا به مطبوعين؛ وتقديم المبتدأ والضمير {وَهُمْ} لتأكيد ثباتهم على الغي والتبجح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مراقبة القلب عند حضور مجالس العلم والقرآن، والخوف من التردد على مواطن الهداية دون أن تحدث أثراً في السلوك والإيمان.
اليقين بأن إحاطة الله بكل ما يكتمه المبطلون تلزم المسلم بعدم الاغترار بالشعارات الظاهرة والعهود المزيفة.