أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٣٣٣٤ و ٦٥٣٨) ومسلم (رقم ٢٨٠٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٠٥ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيتَ لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنتَ مفتدياً به؟ فيقول: نعم، فيقول الله تعالى: قد أردتُ منك أهون من ذلك؛ قد أخذتُ عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيتَ إلا أن تشرك بي!».
وروى الطبري (ج ١٠، ص ٨٨٦-٨٩٣)مصدر غير محدد١٠/٨٨٦ عن قتادة والسدي: لو ملك الكافر أضعاف كنوز الأرض وثرواتها وجاء يوم الحساب باذلاً لها ليفدي نفسه من هول المطلع وعذاب النار، لم يُقبل منه فداء ولا شفاعة ولا صرف ولا عدل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لِيَفْتَدُوا
الافتداء هو بذل الفدية والمال لإنقاذ النفس وتخليصها من الأسر والهلاك؛ والفداء العوض المدفوع.
مَا تُقُبِّلَ
ما نافية، وتقبل مبني للمجهول؛ أي رُدّ عليهم رداً باتّاً.
أَلِيمٌ
مؤلم وموجع للقلوب والأبدان إيلاماً لا يطاق.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
إن واسمها، وجملة كفروا صلة.
لَوْ أَنَّ لَهُم
لو حرف امتناع لامتناع، أن حرف ناسخ، ولهم متعلق بمحذوف خبر مقدم لأن، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره "لو ثبت أن لهم".
مَّا فِي الْأَرْضِ
ما اسم موصول اسم أن مؤخر، وفي الأرض صلة الموصول.
جَمِيعًا
حال منصوبة من ما.
وَمِثْلَهُ مَعَهُ
معطوف على اسم أن منصوب بالفتحة والهاء مضاف إليه، ومعه ظرف متعلق بمحذوف حال.
ما نافية، تقبل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر يعود على ما في الأرض، ومنهم متعلق بتقبل، وجملة ما تقبل جواب لو لا محل لها؛ وجملة لو وجوابها في محل رفع خبر إن.
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
معطوف عليه مبتدأ وخبر ونعت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة بين فلاح المتقين وخسران الكافرين:
لما بيّن في الآية السابقة طريق الفلاح للمؤمنين بالتقوى والوسيلة والجهاد؛ قابل ذلك بتصوير هول القيامة وعذاب الكافرين الذين استكبروا في الدنيا؛ مبيناً أن الدنيا بكل ذهبها وزخرفها تتلاشى قيمتها يوم الحساب وتصير هباءً منثوراً، فلا ينجي هناك إلا الإيمان والعمل الصالح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية في بطلان التدارك بعد فوات الأوان:
يدفع الإشكال: أقام القرآن برهاناً نفسياً وعقلياً حاسماً: الإنسان في الدنيا قد يفتدي نفسه بكل ماله لينجو من السجن أو المرض؛ ولكن في الآخرة تنقطع كل موازين المعاوضات المادية؛ لأن الله تعالى هو المالك لكل شيء في السماوات والأرض، فلا ينتفع بفدية ولا يحتاج إلى مال؛ وإنما المطلوب كان الانقياد والتوحيد في دار التكليف، فإذا ضيعه العبد سقطت كل حيله واستحال خلاصه.