تفسير الهيمنة القرآنية والشرعة والمنهاج في الآثار:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ١٠١٤-١٠٣٥)مصدر غير محدد١٠/١٠١٤صحيح وابن أبي حاتم وابن كثير بسند صحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}: قال: «مؤتمناً عليه وشاهداً وحاكماً وناسخاً؛ فالقرآن أمين على كل كتاب قبله؛ فما وافقه فهو حق، وما خالفه فهو باطل».
وعن قتادة وسعيد بن جبير والحسن البصري: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}: «الشرعة والمنهاج: السبيل والسنة؛ الشريعة تختلف بحسب الأزمان والأقوام في الحلال والحرام لحكمة الابتلاء، وأما الدين الأصلي والتوحيد فواحد لا يختلف».
وروى البخاري في "صحيحه" (رقم ٣٤٤٢)مصدر غير محددحديث رقم ٣٤٤٢ ومسلم (رقم ٢٣٦٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٦٥ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء إخوة لعلّات؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُهَيْمِنًا
الهيمنة في كلام العرب: الحفظ والمراقبة والشهادة والأمانة والسيادة والشهود؛ يقال: هيمن يهيمن هيمنة إذا كان رقيباً حارساً شاهداً قاضياً على الشيء.
شِرْعَةً
الشريعة هي المورد الظاهر للماء الذي يُقصد للارتواء، وتطلق في الشرع على الأحكام الفرعية والعملية من صلاة وصيام ومناسخ وحلال وحرام.
وَمِنْهَاجًا
المنهاج هو الطريق الواسع المستقيم السهل السلوك.
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ
فعل وفاعل ومفعول به منصوب، وإليك متعلق بأنزلنا.
بِالْحَقِّ
جار ومجرور في محل نصب حال من الكتاب أو من الفاعل.
مُصَدِّقًا
حال منصوبة بالفتحة.
لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
اللام حرف جر، ما موصول متعلق بمصدقاً، وبين صلة الموصول.
مِنَ الْكِتَابِ
متعلق بمحذوف حال، والمراد جنس الكتب السابقة.
وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ
معطوف على مصدقاً منصوب، وعليه متعلق بمهيمناً.
فَاحْكُم بَيْنَهُم
الفاء فصيحة، احكم فعل أمر وفاعله مستتر، وبينهم ظرف متعلق باحكم.
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
متعلق باحكم.
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ
لا ناهية جازمة، تتبع مضارع مجزوم وأهواءهم مفعول به.
عَمَّا جَاءَكَ
متعلق بتتبع مضمناً معنى العدول والانحراف، وما موصولة وجملة جاءك صلة.
مِنَ الْحَقِّ
حال من فاعل جاءك.
لِكُلٍّ
جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول ثانٍ مقدم لجعلنا.
جَعَلْنَا مِنكُمْ
جعلنا فعل وفاعل، ومنكم متعلق بمحذوف حال.
شِرْعَةً
مفعول أول لجعلنا مؤخر، ومنهاجاً معطوف عليه.
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ
الفاء فصيحة، استبقوا فعل أمر مبني على حذف النون، والخيرات مفعول به منصوب بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان المرجعية الخاتمة والهيمنة التشريعية للقرآن:
بعد أن استعرض القرآن تاريخ التوراة والإنجيل؛ توّج السياق بإعلان المرجعية العليا والنهائية للقرآن الكريم؛ فبيّن أنه ليس كتاباً إلى جانب تلك الكتب، بل هو الكتاب المهيمن الحاكم المؤتمن الشاهد عليها جميعاً؛ وألزم النبي صلى الله عليه وسلم والأمة من بعده بالتحاكم المطلق لما أنزل الله في القرآن ورفض كل تحريف أو اتباع للأهواء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
حقيقة الهيمنة القرآنية والتفريق بين "وحدة الدين" و"تعدد الشرائع":
يدفع الإشكال: قرر أئمة التحقيق -كابن تيمية في "قاعدة في المعجزات والنبوات" وابن القيم- الأصل العقلي المعجز في الآية:
هيمنة القرآن تعني: أنه المعيار والميزان الأوحد؛ فما أثبته القرآن من نصوص الكتب السابقة فهو الحق الثابت، وما أبطله وكذّبه فهو التحريف الباطل، وما سكت عنه فلا نصدقه ولا نكذبه.
أصل الدين والتوحيد والعقائد (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ومكارم الأخلاق) دين واحد في جميع الرسالات لم يتبدل ولم يختلف {أَنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}.
الاختلاف إنما وقع في "الشرائع والمناهج"؛ أي في كيفيات العبادات، وأعداد الركعات، وتفاصيل الحلال والحرام بحسب مصالح الأمم في أزمانها، وابتلاء الله لهم في مدى انقيادهم؛ فلما اكتمل نضج البشرية خُتمت الشرائع بالشريعة المحمدية الكاملة المهيمنة الناسخة لكل ما سبق.
اللفظ المعجز الفريد {مُهَيْمِنًا}: لفظ من أندر الألفاظ وأجمعها في الدلالة؛ حوى في طياته معاني الأمانة، والشهادة، والرقابة، والسيادة، والنسخ، والإحاطة؛ وأمر الاستباق {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} إشعال للهمم نحو معالي الأمور بدلاً من الجدال العقيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتزاز بالقرآن الكريم وجعله المرجع الأعلى والوحيد في صياغة الفكر والتشريع والأخلاق والقوانين.
المسارعة إلى الخيرات والعمل الصالح، واليقين بأن المرجع إلى الله ليحكم بين العباد فيما كانوا فيه يختلفون.