سبب النزول وسياق النهي عن الغلو ومتابعة أهواء الضالين:
أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١٠، ص ٥٧٦-٥٨٣)جامع البيانالطبري١٠/٥٧٦ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي:
{لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}: «الغلو: مجاوزة الحد والقدر المشروع؛ خاطب الله النصارى واليهود جميعاً؛ فالنصارى غلوا في عيسى فجعلوه إلهاً وابناً لله وعبدوه، واليهود غلوا في البغض فجعلوه لغير رِشْدة ورموا أمه بالبهتان العظيم؛ فكلاهما مجاوز للحق؛ وقيل: الخطاب للنصارى خاصة في شأن المسيح».
{وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ}: «وهم أسلافهم وأحبارهم ورهبانهم ورؤساء المجامع الذين ابتدعوا لهم التثليث والقول بالأقانيم وبدلوا دين المسيح الحنيف قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، كبولس وقسطنطين وأساقفة مجمع نيقية؛ فاتبعوا أهواءهم الفاسدة وأضلوا بهم عامة النصارى».
وفي "الصحيحين" عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَغْلُوا
من الغلو، وهو مجاوزة الحد المشروع والإفراط في الشيء؛ غلا يغلو غلواً.
غَيْرَ الْحَقِّ
صفة مؤكدة أو حال؛ أي غلواً باطلاً؛ والغلو كله باطل لا حق فيه.
سَوَاءِ السَّبِيلِ
وسط الطريق وقصده الموصل إلى الحق والنجاة.
قُلْ
فعل أمر وفاعله مستتر.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
منادى مضاف منصوب.
لَا تَغْلُوا
لا ناهية جازمة، تغلوا مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
فِي دِينِكُمْ
متعلق بتغلوا.
غَيْرَ الْحَقِّ
مفعول مطلق نائب عن المصدر منصوب (أي غلواً غير الحق)؛ أو حال من فاعل تغلوا.
وَلَا تَتَّبِعُوا
معطوف على لا تغلوا.
أَهْوَاءَ
مفعول به منصوب بالفتحة، وقوم مضاف إليه.
قَدْ ضَلُّوا
قد حرف تحقيق، ضلوا ماضٍ والواو فاعل والجملة في محل جر نعت لقوم.
مِن قَبْلُ
متعلق بضلوا، وبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى.
وَأَضَلُّوا كَثِيرًا
معطوف على ضلوا، وكثيراً مفعول به.
وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ
معطوف، وعن سواء متعلق بضلوا والسبيل مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
استئصال جذور الانحراف العقدي (الغلو والتبعية):
تشخيص قرآني حاسم لجذر البلاء؛ بعد أن فصّل مقالاتهم الباطلة في المسيح والتثليث، وضع يده على العلة الكبرى التي أنتجت هذا الشرك: وهي "الغلو" و"التبعية العمياء للأسلاف ورجال الدين"؛ فنهى عن الغلو الذي يخرج بالأنبياء عن رتبة البشرية، ونهى عن الانسياق وراء أهواء من ضلوا قديماً وأضلوا غيرهم؛ فحمى التوحيد من الإفراط والتفريط.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق وصف الغلو بـ {غَيْرَ الْحَقِّ} ودفع توهم وجود "غلو بحق":
يدفع الإشكال: هل في الغلو ما هو حق حتى يقيد بقوله {غَيْرَ الْحَقِّ}؟!
والتحقيق البلاغي: الوصف هنا "وصف كاشف مبين" لا "وصف مقيد مخصص"؛ كقوله تعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ}؛ فالغلو كله باطل لا حقيقة له؛ أو المراد: لا تتجاوزوا الحد متلبسين بغير الحق؛ فالقيد لتسجيل الفضيحة وبيان شناعة جرمهم بأنهم خرجوا عن جادة الحق والعدل بالكلية.
التكرار في {ضَلُّوا... وَأَضَلُّوا... وَضَلُّوا}: إبراز لمراحل السقوط والانتكاس التراكمي؛ ضلوا أولاً في أنفسهم بالابتداع، ثم أضلوا كثيراً من أتباعهم، ثم ترتب على ذلك ضلالهم النهائي المستحكم عن سواء السبيل؛ فالضلال يلد ضلالاً حتى تنمحي معالم الهداية.
التعبير بـ {أَهْوَاءَ}: كشف لحقيقة العقائد المحرفة؛ فليست أفكاراً مستندة إلى برهان عقلي أو وحي منزل، بل هي مجرد شهوات نفسية وأمزجة شخصية غُلفت بأغلفة دينية مقدسة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الشديد من الغلو في الدين؛ سواء في العقائد أو العبادات أو الأشخاص، والتمسك بالوسطية النبوية المحكمة.
تحرير العقل من التبعية العمياء للأشخاص والمذاهب المبتدعة، ووزن أقوال الرجال بميزان الكتاب والسنة.