أبشع مقالة نطق بها قوم لنبيهم والمقارنة بموقف الصحابة يوم بدر:
أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٣٩٥٢ و ٤٦٠٩) والنسائي وأحمد في "المسند" (رقم ٣٧٨٢)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٣٧٨٢ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: شهدتُ من المقداد بن الأسود مشهداً لأن أكون صاحبه أحب إليّ مما عُدلت به؛ أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين (يوم بدر)، فقال: «يا رسول الله، لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك وخلفك! فرأيتُ وجه النبي صلى الله عليه وسلم يشرق وسُرّ بذلك».
وروى الطبري (ج ١٠، ص ٧٤٧-٧٥٦)مصدر غير محدد١٠/٧٤٧ عن ابن عباس ومجاهد: لما نصح الرجلان بني إسرائيل ردوا بتعنت واستكبار وتبجح، وقالوا لموسى هذه الكلمات الوقحة التي أعلنت انسلاخهم من واجب النصرة واستهانتهم بمقام الربوبية والنبوة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَبَدًا
اسم زمان لتأبيد المستقبل؛ أي امتياز بالقعود والجبن المطلق ما دام الجبارون في المدينة.
مَّا دَامُوا
ما مصدرية ظرفية، ودام من أخوات كان تفيد استمرار الحال.
قَاعِدُونَ
متقاعسون عن القتال متخلون عن النصرة راضون بالذل.
قَالُوا يَا مُوسَىٰ
فعل وفاعل ونداء.
إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا
إن واسمها، وجملة لن ندخلها خبر، والهاء مفعول به، وأبداً ظرف زمان منصوب متعلق بندخلها.
مَّا دَامُوا فِيهَا
ما مصدرية ظرفية، داموا فعل ماض ناقص والواو اسمه، وفيها متعلق بمحذوف خبر دام؛ والمصدر المؤول نائب عن ظرف زمان؛ أي: مدة دوامهم فيها.
فَاذْهَبْ أَنتَ
الفاء فصيحة، اذهب فعل أمر وفاعله مستتر، أنت ضمير منفصل توكيد للضمير المستتر في اذهب لتصحيح العطف عليه.
وَرَبُّكَ
الواو عاطفة، ربك معطوف على الضمير المستتر في اذهب المرفوع بالتوكيد، والكاف مضاف إليه.
فَقَاتِلَا
الفاء عاطفة، قاتلا فعل أمر مبني على حذف النون والألف فاعل.
إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ
إنا حرف ناسخ واسمه، ها للتنبيه، هنا ظرف مكان مبني في محل نصب متعلق بقاعدون، وقاعدون خبر إن مرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة الوقاحة والانحطاط الأخلاقي في مواجهة كليم الله:
سجلت الآية الكريمة أبشع دركات الهبوط النفسي للأمة المستعبدة؛ حيث لم يكتفوا برفض نصيحة الرجلين، بل واجهوا نبيهم المنقذ بكلام فظ غليظ يتنصل من المسؤولية ويسخر من نصرة الله: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا}؛ كأن المعركة معركة موسى وربه وليست معركتهم لنيل حريتهم وكرامتهم؛ فكان هذا القول خرقاً تاماً للميثاق واستحقاقاً للعقوبة الربانية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل كفر بنو إسرائيل بقولهم {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا}؟:
يدفع الإشكال: بيّن أئمة التحقيق -كابن عطية والقرطبي والرازي- حقيقة هذا القول:
لم يقصدوا نفي ربوبية الله عنهم، بل قالوا ذلك على سبيل الاستخفاف والتمرد وشدة الجبن؛ أي: إن كان ربك قد وعدك بالنصر فاذهب أنت واستعن بربك فليقاتلا الجبارين بدلاً منا ونحن ننتظر النتيجة!
وهذا القول يعد فسقاً غليظاً وتمرداً كبيراً يستوجب سخط الله؛ ولذلك سمّاهم الله تعالى عقب هذه المقالة {الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}؛ وحكم عليهم بالتيه والحرمان من النصر.
الإيقاع الصادم للفظ {قَاعِدُونَ} والتأكيد بالظرف {هَاهُنَا}: دلالة على الإقامة التامة على التخاذل والقعود؛ والمقابلة الإعجازية بين أمة موسى المستذلة المتمردة وبين أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي هتفت بنبض واحد في بدر وأحد والأحزاب: «لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من أمراض التواكل والاتكالية، وإدراك أن الأمم التي ترفض التضحية تدفع ثمن قعودها ذلاً وتيهاً واستعباداً.
الاعتزاز بعظمة الصحابة الكرام رضي الله عنهم الذين بذلوا مهجهم فداءً لرسول الله ودينه، فكانوا خير صحابة لخير نبي.