أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٥١٩-٥٢٥)مصدر غير محدد١٠/٥١٩ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد والسدي: «هذه الآية نظير آية البقرة {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ...}، والمراد بها: من آمن من هذه الملل السابقة بنبيه في زمانه قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، أو من آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه والتزم العمل الصالح المأمور به في الشريعة، فله الأجر ولا خوف عليه ولا حزن».
تفسير الصابئين في أقوال السلف:
قال مجاهد والحسن وقتادة: «الصابئون: قوم ليسوا بيهود ولا نصارى ولا مجوس، كانوا على الفطرة ولا دين مقرراً لهم، أو متمسكون ببقايا دين نوح أو إبراهيم؛ وقيل: هم قوم خرجوا من دين إلى دين طلباً للحق».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تحقيق مسألة رفع {وَالصَّابِئُونَ} لغوياً وإعرابياً (أهم المسائل النحوية في السورة):
قرأ السبعة جميعاً: {وَالصَّابِئُونَ} بالرفع بالواو في هذا الموضع من المائدة؛ بينما جاءت في البقرة والحج {وَالصَّابِئِينَ} بالنصب بالياء.
أوجه الإعراب المقررة عند جهابذة أئمة البصرة والكوفة:
مذهب سيبويه والخليل وجمهور البصريين: الصابئون مبتدأ مرفوع بالواو، وخبره محذوف دل عليه خبر إنّ اللاحق، أو هو مقدم من تأخير؛ والأصل: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى كذا، والصابئون كذلك"؛ وفائدة هذا التقديم بالرفع: التنبيه على أن الصابئين -مع بعدهم الشديد عن الشرائع وضلالهم التاريخي- إن تابوا وآمنوا قُبلوا وغُفر لهم، فكيف بمن هم أقرب منهم كاليهود والنصارى؟!
مذهب الكسائي والفراء وأئمة الكوفة: العطف على محل اسم "إنّ"؛ لأن محل اسم إنّ قبل دخولها هو الابتداء، وساغ ذلك للفصل بين اسم إن والمعطوف بالمعطوف الأول، كقول الشاعر: «فَمَنْ يَكُ أَمْسَى فِي بِلَادٍ سِوَى تِهَامَةَ ... فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبَانِ».
إعراب سائر الآية:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الَّذِينَ}: اسم إنّ في محل نصب، وجملة آمنوا صلة الموصول.
{وَالَّذِينَ هَادُوا}: معطوف على الذين في محل نصب.
{وَالصَّابِئُونَ}: مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم وخبره محذوف.
{وَالنَّصَارَىٰ}: معطوف على الذين هادوا منصوب بفتحة مقدرة.
{مَنْ آمَنَ}: من اسم شرط أو موصول بدل تفصيلي من الضمائر السابقة؛ آمن ماضٍ في محل جزم فعل الشرط والفاعل مستتر.
{وَعَمِلَ صَالِحًا}: معطوف، وصالحاً مفعول به أو مفعول مطلق.
{فَلَا خَوْفٌ}: الفاء رابطة، لا نافية للجنس تعمل عمل ليس، أو مهملة لتكرارها وخوف مبتدأ مرفوع.
{عَلَيْهِمْ}: متعلق بمحذوف خبر خوف.
{وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}: معطوف، هم مبتدأ وجملة يحزنون خبر، والجملة في محل جزم جواب الشرط؛ والمبتدأ والشرط وجوابه خبر إنّ والخبر المحذوف للمبتدأ الصابئون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقرار معيار النجاة الرباني المطلق القائم على حقيقة الإيمان والعمل الصالح:
بعد أن نفى في الآية السابقة أن يكون أهل الكتاب على شيء من الهدى لتركهم إقامة الوحي، أقرّ هنا القاعدة الكلية العامة للنجاة: النجاة ليست بالانتساب القومي ولا بالأسماء التاريخية (مسلمون، يهود، نصارى، صابئون)، بل النجاة منوطة بتحقيق حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح المصدق لشريعة الوقت؛ فكل من صدق رسول زمانه دخل في هذا الوعد الإلهي العظيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة "الطعن النحوي" في رفع {وَالصَّابِئُونَ}:
يدفع الإشكال: طعن بعض المستشرقين والملاحدة في فصاحة القرآن زاعمين أن قوله {وَالصَّابِئُونَ} خطأ نحوي وكان حقه النصب؛ وهو جهل فادح بأسرار كلام العرب وأساليب البلاغة؛ فالرفع أسلوب عربي قرشي فصيح مشهور في شعر العرب الفصحاء قبل نزول القرآن؛ وهو من باب القطع والاستئناف أو العطف على المحل؛ وله نكتة بلاغية سامقة وهي لفت الذهن وكسر الرتابة للتنبيه على شأن هؤلاء الصابئين الأبعد شأناً لبيان سعة رحمة الله.
دحض شبهة صحة الأديان الباطلة اليوم:
كما أسلفنا؛ المراد بمن آمن: الإيمان الصحيح الذي يقره الله؛ وبعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله عملاً ولا إيماناً إلا باتباع شريعة القرآن الخاتمة بإجماع المسلمين لقوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}.
أسلوب الالتفات النحوي والقطع في رفع {وَالصَّابِئُونَ}: كسر المتوقع في الإعراب لإيقاظ السامع وإشعاره بأن حكماً خاصاً يلفت النظر، وهو أن من كان صابئاً خارجاً عن الشرائع، إذا حقق الإيمان بالخالق والعمل الصالح قُبل، فكيف بأهل الشرائع؟!
نفي الخوف ونفي الحزن: نفي الخوف عما يستقبلونه في عرصات القيامة، ونفي الحزن عما خلفوه وراءهم من الدنيا وما فرطوا فيه من الذنوب بتكفيرها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلوب من التواكل على الأنساب والأسماء والألقاب، والاعتماد بعد فضل الله على صحة العقيدة وصدق العمل الصالح.
سعة رحمة الله وفضله في قبول التائبين أياً كانت دياناتهم السابقة إذا أناخوا مطاياهم في رحاب الإسلام.