أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٦٨٥-٦٩٥)مصدر غير محدد١٠/٦٨٥ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: الفترة هي انقطاع إرسال الرسل والزمان الفاصل بين نبي ونبي؛ وكان بين عيسى بن مريم ومحمد صلى الله عليه وسلم فترة انقطاع رسالي دامت نحو ستمائة سنة، اندثرت فيها معالم الدين، ودخل الناس في الجاهلية العمياء، وعُبدت الأوثان؛ فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل واشتداد حاجة أهل الأرض إليه.
وروى البخاري في "صحيحه" (رقم ٣٩٤٨)مصدر غير محددحديث رقم ٣٩٤٨ عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: «فترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة».
وروى مسلم (رقم ٢٨٦٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٦٥ من حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم؛ عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك...».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَتْرَةٍ
الفتور في اللغة: السكون بعد الحركة والانقطاع والهدوء بعد النشاط؛ والفترة بين الرسل: انقطاع تتابع الوحي وطول الأمد بين الرسالتين.
بَشِيرٍ
مبشر بالثواب والجنة لمن آمن وأطاع.
نَذِيرٍ
منذر ومخوف بالعقاب والنار لمن كفر وعصى.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
منادى مضاف.
قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا
فعل ومفعول وفاعل.
يُبَيِّنُ لَكُمْ
جملة في محل نصب حال من رسولنا.
عَلَىٰ فَتْرَةٍ
متعلق بيبين أو بمحذوف حال من رسولنا (أي جاءكم كائناً على فترة).
مِّنَ الرُّسُلِ
نعت لفترة.
أَن تَقُولُوا
أن مصدرية، تقولوا مضارع منصوب بحذف النون، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول لأجله بفعل محذوف تقديره: "كراهةَ أن تقولوا" أو "لئلا تقولوا".
مَا جَاءَنَا
ما نافية، جاءنا فعل ومفعول به.
مِن بَشِيرٍ
من حرف جر زائد للاستغراق والتوكيد، بشير مجرور لفظاً مرفوع محلاً على أنه فاعل جاءنا.
وَلَا نَذِيرٍ
معطوف على بشير.
فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ
الفاء فصيحة، قد حرف تحقيق، جاءكم فعل ومفعول، بشير فاعل مرفوع بالضمة، ونذير معطوف.
وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تذييل مقرر لكمال القدرة التي بعثت الرسول في هذا الوقت العصيب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قطع المعاذير وإقامة الحجة الرسالية الحاسمة:
جاءت هذه الآية ختاماً لهذا الشوط الطويل من محاجة أهل الكتاب؛ فبيّن لهم أن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم قطعت كل عذر قد يعتذر به البشر يوم القيامة بدعوى انقطاع الوحي وطول الزمان وجهل معالم الشريعة؛ فجاءهم الرسول بالنور الخالص مبشراً ونذيراً ليتحمل كل امرئ مسؤولية موقفه واختياره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة حكم أهل الفترة قبل البعثة النبوية:
يدفع الإشكال: حرر أئمة السنة والتحقيق -كابن كثير وابن تيمية وابن القيم- حكم أهل الفترة:
من بلغه أصل التوحيد وبقايا دين إبراهيم وعيسى فغيّر وبدّل وعبد الأصنام ومات على ذلك فهو معذب بحجته كعمرو بن لحي.
ومن لم تبلغه رسالة نبي ولم يدرك معالم الوحي وكان في زمان فترة مطلقة؛ فإنه يُعذر في الجزئيات، ويُمتحن يوم القيامة بنص الأحاديث الصحيحة الواردة في امتحان أربعة يوم القيامة، فإن أطاع دخل الجنة وإن عصى دخل النار؛ تحقيقاً لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}، ولقوله هنا: {أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ}.
زيادة حرف الجر الاستغراقي {مِن بَشِيرٍ}: استغراق تام لنفي كل حجة ومعذرة، أي لم يفتكم أي نوع من أنواع التبشير والإنذار؛ ثم جاء التعقيب الحاسم المقابل {فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} تأكيداً لزوال كل شبهة وانبثاق فجر النجاة؛ وتذييلها بـ {وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تذكيراً بقدرته على إحياء القلوب الميتة بالرسالة الخاتمة كما يحيي الأرض الهامدة بالمطر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، واستشعار الفضل العظيم بأن جعلنا الله من أمته الخاتمة.
قيام الحجة على العالمين وانقطاع الأعذار بعد كمال البلاغ والبيان النبوي الشريف.