أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٨١٧-٨٢٨)مصدر غير محدد١٠/٨١٧ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما قتل قابيل أخاه هابيل، تركه ملقى في العراء متحيراً خائفاً لا يدري ما يصنع بجسده، ولم يكن قبل ذلك أحد مات من بني آدم؛ فحمله في جراب على ظهره فطاف به؛ فبعث الله غرابين فاقتتلا أمام عينيه، فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر الغراب القاتل بمنقاره ورجليه في الأرض حفرة وألقى فيها الغراب الميت وواراه بالتراب؛ فلما رأى قابيل ذلك المشهد، تحسر ولطم وجهه وقال: {يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي}، فحفر ودفن أخاه، وأصبح من النادمين حين لا ينفعه الندم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَبْحَثُ
البحث في لسان العرب: حفر الأرض ونبش التراب وطلبه باليد أو المنقار أو الآلة.
يُوَارِي
المواراة هي الستر والتغطية والإخفاء في باطن الشيء؛ ومنه توارت الشمس بالحجاب.
سَوْءَةَ
جثة الميت، وسُميت سوءة لأن كشفها وبقاءها على وجه الأرض من غير دفن يسوء صاحبها والناظرين إليها لقبح منظرها ورائحتها.
يَا وَيْلَتَا
الويل هو الهلاك والشر والتحسر؛ والألف في ويلتا منقلبة عن ياء المتكلم في الندبة والتحسر.
فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا
فعل وفاعل ومفعول به منصوب.
يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ
جملة فعلية في محل نصب نعت لغراباً، وفي الأرض متعلق بيبحث.
لِيُرِيَهُ
اللام لام التعليل، يري مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر يعود على الغراب أو على الله، والهاء مفعول أول.
كَيْفَ يُوَارِي
كيف اسم استفهام في محل نصب حال من فاعل يواري أو مفعول مطلق، وجملة يواري علقت الرؤية العلمية عن العمل، وسوءة مفعول به وأخيه مضاف إليه.
قَالَ يَا وَيْلَتَا
قال وفاعله مستتر، يا حرف نداء وتحسر، ويلتا منادى مضاف منصوب بفتحة مقدرة.
أَعَجَزْتُ
الهمزة للاستفهام الإنكاري المتضمن للتقريع والتوبيخ لنفسه، عجزت فعل وفاعل.
أَنْ أَكُونَ
أن حرف مصدري ونصب، أكون مضارع ناقص واسمها مستتر، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف (عن أن أكون).
مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ
مثل خبر أكون منصوب، وهذا مضاف إليه والغراب بدل.
فَأُوَارِيَ
الفاء فاء السببية، أو معطوفة على أكون منصوبة بالفتحة الظاهرة.
فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
فعل ناقص واسمه مستتر ومن النادمين خبره، وهو ندَم تحسر وخزي لا ندم توبة وإنابة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إذلال القاتل المتكبر بوساطة طائر بهيم:
ذروة التهكم والتبكيت الإلهي لهذا القاتل المستكبر؛ فالذي قتل أخاه استعلاءً وكبرياءً، أذله الله تعالى وجعله تلميذاً يتعلم أبجديات مواراة الجثث من طائر بهيم وهو الغراب؛ ليتحول كبرياؤه المزيف إلى صرخة عجز وتحسر وندامة تملأ جوانحه خيبة وخزياً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: إذا كان قد ندم {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}، فلماذا لم تُقبل توبته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «الندم توبة»؟:
يدفع الإشكال: حرر المحققون -كالطبري وابن كثير وابن القيم- الفرق الدقيق بين نوعين من الندم:
ندم التوبة الشرعية المقبولة: وهو الندم الناشئ عن خشية الله، والإقرار بقبح الذنب، واستشعار الحزن لمخالفة أمر الرب، ورد المظالم إلى أهلها.
ندم التحسر والخزي الدنيوي: وهو الندم الذي أصاب قابيل؛ فإنه لم يندم خوفاً من الله ولا حزناً على سفك الدم الحرام، وإنما ندم لعجزه وفضيحته وحمله جثة أخيه وخوفه من مقت أبيه آدم؛ فكان ندماً على سوء العاقبة وفوات غرضه الدنيوي، ومثل هذا الندم لا يُسقط العقوبة ولا يعد توبة شرعية منجية.
التنكير في {غُرَابًا} ووصف الجثة بـ {سَوْءَةَ}: تنكير الغراب لبيان أنه طائر عادي مسخر بقدرة الله؛ وتسمية جثة الأخ سوءة ترسيخ لأدب الشريعة في تكريم الإنسان حياً وميتاً ومواراة ما يسوءه؛ ونداء الويل {يَا وَيْلَتَا} تصوير نفسي مذهل لسقوط الكبرياء وانهيار الطاغية أمام الحقيقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب تكريم الميت والإسراع في دفنه ومواراته، وتعلم الحكمة والموعظة من سائر مخلوقات الله.
استيقان أن كل متكبر على شرع الله سينتهي به المطاف إلى الذل والصغار والندم الأبدي.