وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
أسباب النزول في تمييز الطبقات والقصاص في السنة:
أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان عن ابن عباس رضي الله عنهما: كانت بنو النضير إذا قتلت من بني قريظة لم يُقادوا منهم وأعطوهم نصف الدية، وإذا قتلت قريظة من النضير قُتلوا بهم وأخذوا منهم الدية كاملة؛ فأنزل الله تعالى إبطالاً لهذه الطبقية المقيتة: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ...} مسوياً بين دماء البشر وأعضائهم في القصاص.
وروى البخاري في "صحيحه" (رقم ٤٦١١)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦١١ ومسلم (رقم ١٦٧٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٧٥ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الرُّبَيِّع بنت النضر (عمة أنس): أنها كسرت ثَنِيّة جارية من الأنصار، فطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بالقصاص؛ فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتُكسر ثنية الربيع؟ والذي بعثك بالحق لا تُكسر ثنيتها! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أنس، كتاب الله القصاص»، فرضي القوم فعفوا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{قِصَاصٌ}: المساواة والمعادلة وتتبع أثر الجناية بمثلها دون زيادة أو حيف؛ مأخوذ من قص الأثر.
{فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ}: عفا عن القصاص وأسقطه محتسباً الأجر عند الله؛ وسُمي العفو صدقة تشريفاً وترغيباً.
{كَفَّارَةٌ لَّهُ}: تكفير لذنوب العافي ومحو لسيئاته، أو تكفير لذنب الجاني بسقوط مطالبته في الآخرة؛ وكلاهما مراد.
الإعراب والتركيب وتوجيه القراءات المتواترة:
{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا}: فعل وفاعل، وعليهم وفيها متعلقان بكتبنا (أي في التوراة).
{أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}: أن حرف ناسخ، النفس اسمها منصوب بالفتحة، وبالنفس متعلق بمحذوف خبر أن.
قراءة الجمهور (نافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة): قرؤوا بنصب المعطوفات: {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} عطفاً على اسم أن المنصوب (النفس).
وقرأ الكسائي برفعها جميعاً: {وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ...} على الاستئناف بالابتداء والخبر.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية برفع {وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ} مبتدأ وخبر، وقرأ الباقون بنصبها {وَالْجُرُوحَ} عطفاً على اسم أن.
{فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ}: شرطية، تصدق فعل الشرط، والضمير في به يعود على القصاص أو العفو.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترسيخ المساواة الإنسانية المطلقة والتسامي بالعفو:
بعد أن قرر عموم التوراة وهدايتها؛ فصّل هنا جوهر تشريع العدل في الدماء والجروح؛ فألغى الفوارق القومية والطبقية وقرر أن كل نفس مكافئة للأخرى في القصاص؛ ثم رغّب في مقام الإحسان والتسامي وهو العفو والتصدق؛ وختم بوصف من يرفض المساواة ويحابي الشريف بالظلم البين: {فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة "شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ":
استنبط أئمة الأصول والفقه (كالحنفية والحنابلة والمالكية والشافعية في أحد قوليه) من هذه الآية أصلاً أصولياً كبيراً: إن الأحكام المقررة في التوراة في باب القصاص والجنايات والمساواة بين الأعضاء هي شريعة محكمة ملزمة للمسلمين؛ لأن الله حكاها في معرض التقرير والإلزام ولم يرد في شريعتنا ما ينسخها؛ بل أكدتها السنة النبوية كحديث الربيع رضي الله عنها: «كتاب الله القصاص» وتلا الآية؛ فدل على استمرار حكم المساواة في القصاص في الشريعة الخاتمة.