تفسير الآثار في فتنة بني إسرائيل وتكرار العماء والصمم:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٥٣٢-٥٤٠)مصدر غير محدد١٠/٥٣٢ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «حسب بنو إسرائيل وظنوا حين كذبوا الرسل وقتلوهم ألا يصيبهم بلاء ولا عقوبة ولا عذاب من الله؛ فاغتروا بإمهال الله لهم؛ {فَعَمُوا وَصَمُّوا}: فعموا عن رؤية الحق وصموا عن سماع الهدى؛ فسلّط الله عليهم بختنصر وجيوش بابل فقتلهم وسباهم وخرب بيت المقدس؛ {ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}: لما أنابوا وتضرعوا في بابل، رحمهم الله ورد لهم دولتهم؛ {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنْهُمْ}: فلما تتابعت عليهم النعم عادوا إلى الغي والعماء والصمم فكذبوا عيسى ومحمداً صلى الله عليهما وسلم؛ فسلط الله عليهم طيطوس الروماني فخرب الهيكل وشتتهم في الآفاق».
القراءات في {أَلَّا تَكُونَ}:
قرأ الجمهور (نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم والكسائي): {أَلَّا تَكُونَ} بنصب نون تكون؛ على أن "أن" مصدرية ناصبة سبقتها حسب الدالة على الرجحان.
وقرأ حمزة وأبو عمرو: {أَلَّا تَكُونُ} برفع نون تكون؛ على أن "أن" هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، لأن حسب نزلت هنا منزلة العلم واليقين الجازم في ظنهم الفاسد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
حَسِبُوا
ظنوا وتوهموا جهلاً وغروراً.
فِتْنَةٌ
عذاب وبلاء ونكال واختبار ينزل بهم جراء كفرهم.
فَعَمُوا وَصَمُّوا
عميت بصائرهم عن الحق وصمت آذانهم عن استماع الوحي ومواعظ الأنبياء.
وَحَسِبُوا
الواو عاطفة، حسبوا ماضٍ والواو فاعل.
أَلَّا تَكُونَ
أن حرف مصدري ونصب (أو مخففة)، لا نافية، تكون مضارع تام منصوب بالفتحة (أو مرفوع بالضمة)، والفاعل {فِتْنَةٌ}؛ والمصدر المؤول سد مسد مفعولي حسب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحليل العقلية الإسرائيلية القائمة على الغرور بالأماني الكاذبة:
تناسق معجز؛ بينت الآية السبب النفسي الذي جرأهم على قتل الأنبياء وتكذيبهم، وهو ظنهم الفاسد أنهم شعب الله المختار وأنه لا يعاقبهم ولا ينزل بهم فتنة! فترتب على هذا الوهم عماء تام عن رؤية الحق وصمم عن سماعه؛ وتكرار العماء والصمم بعد التوبة كشف أن الانحراف طبع متأصل فيهم لا يزول بزوال النكبات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سنة الاستدراج والإمهال ودفع توهم النجاة من العقاب:
تبين الآية سنة إلهية عقلية وكونية: وهي أن إمهال الله للظالم وتأخير العقوبة عنه ليس دليلاً على رضاه عنه أو نجاته من النكال؛ فبنو إسرائيل ظنوا أن تأخر العذاب أمان لهم، فعموا وصموا، فباغتهم العذاب والفتنة من حيث لم يحتسبوا؛ فالأمن من مكر الله رأس الخسران.
المجاز والاستعارة في {فَعَمُوا وَصَمُّوا}: استعارة تمثيلية لتعطيل الحواس الإدراكية؛ فهم يبصرون بعيونهم ويسمعون بآذانهم حسياً، لكن لما تعطلت وظيفة الهداية صاروا بمنزلة العميان والصم، كقوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}.
الاحتراز بـ {كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} في المرة الثانية: لم يقل عموا وصموا جميعاً، بل نبه على وجود قلة مقتصدة لم تشارك في العماء الثاني، حفاظاً على الإنصاف القرآني التام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الشديد من الأمن من مكر الله والاغترار بالسلامة مع مقارفة الذنوب.
استدامة الشكر بعد رفع البلاء، والحذر من الانتكاسة بعد التوبة، فإن الانتكاسة أشد وأظلم.