وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وسياق شأن شهداء أحد وبدر الذين ماتوا والخمر في بطونهم:
أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٤٦١٨)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦١٨ ومسلم (رقم ٢١٨٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٨٩ والترمذي وأحمد عن أنس بن مالك والبراء بن عازب وابن عباس رضي الله عنهم: «لما نزل تحريم الخمر البات في قوله تعالى: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}، قال رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، كيف بإخواننا وأصحابنا الذين ماتوا وقُتلوا في سبيل الله يوم بدر وأحد وكانت الخمر في بطونهم وماتوا وهي تجري في عروقهم وهم يشربونها وقد أثبت الله أنها رجس؟! فأنزل الله تعالى رفعاً للحرج وتطميناً للقلوب: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
جُنَاحٌ
إثم وحرج ومؤاخذة.
فِيمَا طَعِمُوا
الطعم يطلق على الأكل والشرب معاً في لسان العرب والقرآن؛ كقوله تعالى في نهر طالوت: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي}، فالمراد شرب الخمر قبل نزول تحريمها.
إِذَا مَا اتَّقَوا
"ما" زائدة لتأكيد الشرط والتحقيق؛ أي إذا كانوا متقين للمحرمات في زمانهم.
لَيْسَ
فعل ماضٍ ناقص ناسخ.
عَلَى الَّذِينَ
متعلق بمحذوف خبر ليس مقدم، وآمنوا صلة الموصول.
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
معطوف والصالحات مفعول به منصوب بالكسرة.
جُنَاحٌ
اسم ليس مؤخر مرفوع بالضمة.
فِيمَا
متعلق بمحذوف نعت لجناح أو بجناح نفسه، وما موصولة وجملة طعموا صلتها.
إِذَا
ظرف تضمن معنى الشرط متعلق بجناح أو بمحذوف.
مَا
زائدة للتأكيد.
اتَّقَوا
فعل الشرط مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة والواو فاعل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء قاعدة عدم رجعية التشريع الجنائي وتطمين أفئدة المؤمنين:
موقع تشريعي وإيماني رفيق؛ بعد أن جاء التحريم البات الحاسم الصارم للخمر، اضطربت قلوب الصحابة شفقة على شهدائهم وإخوانهم الذين قضوا نحبهم قبل نزول التحريم وهم يشربونها؛ فنزلت الآية برداً وسلاماً تقرر قاعدة تشريعية قطعية: أن الأحكام الشرعية لا تسري بأثر رجعي، وأن ما تناوله المؤمن قبل ورود النهي وهو مستقيم على التقوى والإيمان لا تبعة عليه فيه ولا إثم؛ فاستقرت النفوس واطمأنت القلوب لعدل الله ورحمته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع استدلال قدامة بن مظعون الخاطئ بالآية لإباحة شرب الخمر:
يدفع الإشكال: رُوي أن قدامة بن مظعون رضي الله عنه شرب الخمر في زمن عمر بن الخطاب، فلما أراد عمر أن يقيم عليه الحد تأول هذه الآية: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا...}!
فقام علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم فردوا عليه تأويله الباطل، وبيّنوا لعمر: «إن قدامة ليس من أهل هذه الآية؛ فإن الآية نزلت عذراً لمن شربها قبل تحريمها ومات على ذلك، أو لمن شربها جاهلاً بتحريمها؛ أما بعد نزول التحريم القطعي فالمتقي المحسن لا يشرب ما حرم الله؛ ومن شربها معتقداً حلها كفر وقُتل رِدة، ومن شربها مقراً بتحريمها جُلد حد الخمر»؛ فرجع قدامة وأقر بخطئه وجلده عمر الحد.
تفسير تكرار التقوى والإيمان ثلاث مرات في الآية:
تحقيق بديع لأئمة التفسير (كابن جرير والرازي وابن كثير والقرطبي):
المرتبة الأولى: اتقوا المحرمات في الماضي وآمنوا وعملوا الصالحات (الثبات على الأصل).
المرتبة الثانية: ثم اتقوا ما حُرم عليهم بعد ذلك وجُدد تحريمه واستمروا على الإيمان (متابعة التشريع الجديد).
المرتبة الثالثة: ثم اتقوا الشبهات وتورعوا عن فضول المباحات وبلغوا رتبة الإحسان والمراقبة لله (ذروة الكمال).
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
حرف التراخي والترقي {ثُمَّ}: إشارة بلاغية إلى التدرج الصاعد في مدارج السالكين؛ من إسلام عام، إلى إيمان راسخ، إلى إحسان ومراقبة تامة يفيض بها القلب بمحبة الله.
التذييل بـ {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: ترغيب يملأ الفؤاد شوقاً لبلوغ مقام الإحسان، والتنزه عن سائر الخبائث والشبهات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاطمئنان إلى رحمة الله وعدله في محاسبة العباد، وأن التكليف لا يلزم إلا بعد بلوغ الحجة والعلم.
التدرج في تزكية النفس والارتقاء الدائم في مراتب التقوى والإيمان وصولاً إلى مقام الإحسان.