خطبة أبي بكر الصديق ودفع الفهم الخاطئ لإسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
أخرج أصحاب السنن الأربعة (أبو داود رقم ٤٣٣٨، والترمذي رقم ٣٠٥٧ وصححه، والنسائي في الكبرى، وابن ماجه رقم ٤٠٠٥) وأحمد وصححه ابن حبان والحاكم عن قيس بن أبي حازم قال: «قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير ما وضعها الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده"».
وروى الطبري (ج ١١، ص ١٠٤-١٢٣)مصدر غير محدد١١/١٠٤ وابن كثير عن ابن مسعود وابن عباس وثعلبة الخشني: «الآية تأمر بلزوم النفس وحفظ دينها؛ ولا تعارض بينها وبين الأمر بالمعروف؛ فإن من تمام اهتداء المرء {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإذا أدى ما عليه ولم يستجب له الضال، لم يضره بعد ذلك ضلال من ضل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
عَلَيْكُمْ
اسم فعل أمر بمعنى الزموا.
أَنفُسَكُمْ
مفعول به لاسم فعل الأمر؛ أي الزموا حفظ أنفسكم وإصلاحها وتقويمها بطاعة الله.
إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
قيد شرطي جوهري؛ أي إذا استقمتم على الهدى وأديتم ما أوجب الله عليكم من الإيمان والعمل والأمر بالمعروف.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
نداء إيماني للتربية وتثبيت الأقدام.
عَلَيْكُمْ
اسم فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنتم.
أَنفُسَكُمْ
مفعول به لاسم فعل الأمر منصوب بالفتحة والكاف مضاف إليه.
لَا يَضُرُّكُم
لا نافية، يضركم مضارع مرفوع بالضمة (وقرئ بضم الراء وبفتحها للتخفيف)، والكاف مفعول به.
مَن
اسم موصول مبني في محل رفع فاعل ليضركم.
ضَلَّ
ماضٍ والفاعل مستتر والجملة صلة الموصول.
إِذَا
ظرف زمان تضمن معنى الشرط.
اهْتَدَيْتُمْ
ماضٍ وفاعله، وجواب الشرط محذوف دل عليه لا يضركم.
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ
متعلق بمرجعكم، ومرجع مبتدأ مؤخر والكاف مضاف إليه وجميعاً حال.
الباء حرف جر، ما موصولة وجملة كنتم صلة وتعملون خبرها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تسلية المؤمنين وتثبيتهم عند تفشي الضلال وانقطاع حيلة المصلح:
اتصال بالغ الحكمة والرحمة؛ فلما رأى المؤمنون عتو الجاهلية وإصرار المشركين وأهل الكتاب على الكفر والتحريف وموالاة الضالين، كادت نفوسهم تذهب حسرات وخافوا أن يسري ضلال الضالين إلى مجتمعهم أو يؤاخذوا بجريرة غيرهم؛ فأنزل الله هذه الآية لتسكين قلوبهم: الزموا خاصة أنفسكم واستقيموا على هداكم، فإذا بذلتم وسعكم وأديتم واجبكم فلن يضركم ضلال المعاندين شيئاً، فالحساب فردي والجزاء عند الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق الجمع المحكم بين الآية وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
يدفع الإشكال: ظن بعض المتأولين أن الآية تبيح السكوت عن المنكر والانسحاب من المجتمع بحجة {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ}؛ وحقق أئمة الهدى (أبو بكر الصديق وابن تيمية وابن القيم وابن كثير):
الأمر بالمعروف جزء لا يتجزأ من الهداية: قال الله {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، والاهتداء لا يتحقق قط مع ترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة؛ فمن سكت وهو قادر لم يهتدِ، فيلحقه الضرر حتماً.
مناط العمل بالآية: تنطبق الآية في حالتين:
إذا أمرت ونهيت فلم يُستجب لك وأصر العاصي على غيه؛ فحينئذ برئت ذمتك ولا يضرك ضلاله.
في أزمنة الغربة واستحكام الفساد وشح مطاع وهوى متبع وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعند العجز والخوف يسع المسلم لزوم خاصة نفسه.