أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١٠، ص ٦١١-٦٢٨)جامع البيانالطبري١٠/٦١١ وابن أبي حاتم وابن كثير (ج ٣، ص ٥٦-٦٠)مصدر غير محدد٣/٥٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما توجه موسى عليه السلام لقتال الجبارين في الأرض المقدسة، أمره الله تعالى أن يختار من كل سبط من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر نقيباً (كفيلاً وشهيداً على قومه) ليتحسسوا أحوال الجبارين ويرجعوا بالخبر؛ فاختار من كل سبط رجلاً، فكانوا اثني عشر نقيباً عاهدوا الله على السمع والطاعة.
وروى أحمد في "المسند" (رقم ٣٧٨١)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٣٧٨١ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: «اثنا عشر، كعِدّة نقباء بني إسرائيل».
تفسير التعزير والقرض الحسن:
عن ابن عباس والضحاك: {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ}: نصرتموهم وأيدتموهم وعظمتموهم ووقرتموهم، والتعزير في الأصل: النصرة والتوقير.
{وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا}: بالنفقة في سبيل الله والصدقة على الفقراء طلباً لمرضاته، وسُمي قرضاً ترغيباً وبياناً لضمان الجزاء ومضاعفة العطاء عند الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{نَقِيبًا}: النقيب في كلام العرب: القائم بأمور القوم الذي ينقب عن أحوالهم ومصالحهم، مأخوذ من النقب وهو التفتيش والتنقيب عن الباطن.
{عَزَّرْتُمُوهُمْ}: من العزر وهو المنع والنصرة بحمية وقوة وتوقير.
{سَوَاءَ السَّبِيلِ}: سواء الشيء وسطه وعدله، وسواء السبيل: قصد الطريق ووسطه الذي لا عوج فيه ولا انحراف.
الإعراب والتركيب:
{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ}: الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق، أخذ فعل ماض، الله فاعل، ميثاق مفعول به منصوب، وبني إسرائيل مضاف إليه ومجرور بالياء.
{وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ}: معطوف على أخذنا ونا فاعل، ومنهم متعلق ببعثنا.
{اثْنَيْ عَشَرَ}: اثني مفعول به منصوب بالياء ملحق بالمثنى، وعشر مبني على الفتح لا محل له.
{لَئِنْ أَقَمْتُمُ}: اللام موطئة للقسم، إن شرطية جازمة، أقمتم فعل الشرط في محل جزم.
وما عطف عليه تابع له في الجزم.
{لَّأُكَفِّرَنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المقدر، أكفرن مضارع مبني على الفتح في محل رفع لاتصاله بنون التوكيد، والفاعل مستتر، والجواب سد مسد جواب الشرط وجواب القسم.
{سَيِّئَاتِكُمْ}: مفعول به منصوب بالكسرة.
{فَمَن كَفَرَ}: الفاء عاطفة، من اسم شرط مبتدأ، كفر فعل الشرط.
{فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، والجملة في محل جزم جواب الشرط؛ وسواء مفعول به لضل أو ظرف مكان مبهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاعتبار التاريخي بنقض المواثيق السابقة:
بعد أن أمر الله المؤمنين في مطلع السورة بالوفاء بالعقود، وذكّرهم بميثاقهم الخاص في الآية السابعة؛ ضرب لهم في هذه الآية مثلاً تاريخياً بليغاً بأمة بني إسرائيل؛ حيث أخذ الله عليهم ميثاقاً مغلظاً بشهادة اثني عشر نقيباً ورتب عليه النصر وتكفير السيئات ودخول الجنات، ولكنهم فرطوا فيه وعصوا رسلهم فضلوا عن سواء السبيل؛ ليكون في ذلك تحذير هائل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من التخاذل عن الوفاء بالعهود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يقول {إِنِّي مَعَكُمْ} ثم يضلون ويكفرون؟:
يدفع الإشكال: إن المعية الإلهية في الآية الكريمة هي "معية النصرة والتأييد المشروطة بالوفاء والامتثال" وليست معية جبرية قهرية؛ لأن قوله تعالى: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ...} شرط صريح لدوام هذه المعية؛ فإذا تخلف الشرط بترك الصلاة والزكاة ومحاربة الرسل، انقطعت معية النصرة وحلت عليهم اللعنة وسخط الله؛ فالجزاء الإلهي يدور مع عمل المكلفين حكمةً وعدلاً.