وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
موقف الصالحين في درء الفتن وكف اليد:
أخرج أحمد في "المسند" (رقم ١٦٠٦ و ٢٠٤٧١) وأبو داود (رقم ٤٢٥٧)مصدر غير محددحديث رقم ٤٢٥٧ والترمذي وصححه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسول الله، أرأيتَ إن دخل عليّ بيتي وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُنْ كابنِ آدم»، وتلا هذه الآية: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}.
وروى مسلم (رقم ٢٨٨٨)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٨٨ من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، فقيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَسَطتَ
البسط هو المد والتوجيه باليد للبطش والقتل.
بِبَاسِطٍ
اسم فاعل دخلت عليه الباء الزائدة لتأكيد نفي الرغبة في الابتداء بالقتل والعدوان.
أَخَافُ اللَّهَ
الخوف الحقيقي المقرون بالهيبة والتعظيم الذي يحجز صاحبه عن ارتكاب المظالم والكبائر.
لَئِن
اللام موطئة للقسم، إن شرطية جازمة.
بَسَطتَ
فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل.
إِلَيَّ يَدَكَ
إليّ متعلق ببسطت، يدك مفعول به والكاف مضاف إليه.
لِتَقْتُلَنِي
اللام للتعليل، تقتلني مضارع منصوب بأن مضمرة والنون للوقاية والياء مفعول به، والفاعل مستتر.
مَا أَنَا
ما نافية تعمل عمل ليس (حجازية)، أنا اسمها في محل رفع.
بِبَاسِطٍ
الباء حرف جر زائد لفظاً لتوكيد النفي، باسط مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه خبر ما.
يَدِيَ
مفعول به لاسم الفاعل "باسط" منصوب بالفتحة، والياء مضاف إليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال السمو الأخلاقي وضبط النفس:
قابل هابيل نبرة التهديد والبطش من أخيه بأسمى مراتب العفة والترفع؛ فصرح بأنه لن يبادره بالقتل ولن يمد يده بسوء، وعلق هذا الامتناع بمبدأ عقدي أصيل راسخ: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}؛ مبيناً أن عفته عن الدم الحرام ليست ناتجة عن عجز أو ضعف بدني، بل هي ثمرة التقوى وخوف الجليل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل يُحرم على المعتدى عليه الدفاع عن نفسه؟:
يدفع الإشكال: حرر أئمة الفقه والتفسير -كالقرطبي وابن كثير والشوكاني- معنى الآية:
لم يقصد هابيل الاستسلام التام وترك مدافعة الصائل المحرمة؛ وإنما قصد: "ما أنا بمبتدئك بالقتل ولا حريص على إزهاق روحك كما تحرص على قتلي"؛ بدليل قوله: {لِأَقْتُلَكَ}؛ فالمنفي هو القصد المسبق إلى القتل والمبادأة به.
وقيل: كان شريعتهم تمنع المدافعة بالقتل إذا كان المعتدي مسلماً قريباً، أو أن هابيل تحرج في الفتنة وآثر أن يكون عبد الله المقتول على أن يكون عبد الله القاتل، كما فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم الدار صيانةً لدماء المسلمين.
التوكيد النفييّ بالباء في {مَا أَنَا بِبَاسِطٍ}: أسلوب يدل على التجرد التام من رغبة العدوان؛ وذكر الربوبية العامة {رَبَّ الْعَالَمِينَ} تذكير لأخيه بأن الله رب الخلائق جميعاً ومحصي أعمالهم ومجازيهم عليها بعدل، فكيف يجترئ عبد على قتل نفس حرمها ربه؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من ولوغ الأيدي في الدماء المحرمة؛ فإن عظمة المؤمن تكمن في خوفه من الله وحرصه على البراءة من المظالم.
فضل كف اليد في الفتن والنزاعات الداخلية، وعدم الانجرار إلى ردود الأفعال الانتقامية المدمرة.