تفسير الآثار في يوم القيامة وسؤال الرسل عن إجابة أممهم:
أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ١٢٩-١٣٩)جامع البيانالطبري١١/١٢٩ وابن أبي حاتم وابن كثير عن عبد الله بن عباس ومجاهد والحسن والسدي: «يذكر الله تعالى موقفه العظيم يوم القيامة حين يجمع الرسل من أولهم إلى آخرهم، فيسألهم سؤال تقريع وتبكيت لأممهم المكذبة: {مَاذَا أُجِبْتُمْ}؟ أي ماذا ردت عليكم أممكم حين دعوتموهم إلى توحيد الله وطاعته؟ فيفوض الرسل العلم إلى الله خضوعاً لهيبته وجلاله وقالوا: {لَا عِلْمَ لَنَا}؛ أي لا علم لنا يحيط ببواطنهم وما أحدثوه بعدنا، وعلمنا غائب في جنب علمك المحيط؛ {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}».
وروى البخاري في "صحيحه" (رقم ٤٦٢٥ و٦٥٢٦) ومسلم (رقم ٢٨٦٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٦٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً... وإن أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي! فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم؛ فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَوْمَ يَجْمَعُ
ظرف منصوب بفعل محذوف تقديره "اذكر يوم يجمع الله الرسل"، أو متعلق بقوله في الآية السابقة {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.
مَاذَا أُجِبْتُمْ
ماذا اسم استفهام مركب في محل نصب مفعول به مقدم، أو ما مبتدأ وذا موصولة؛ وأجبتم ماضٍ مبني للمجهول والتاء نائب فاعل.
عَلَّامُ الْغُيُوبِ
صيغة مبالغة على وزن فعّال تدل على الإحاطة التامة بكل خفي وغائب وسر باطن.
يَوْمَ
ظرف زمان منصوب بفعل اذكر مقدراً، وهو مضاف.
يَجْمَعُ اللَّهُ
مضارع والله فاعله، والجملة مضاف إليها يوم.
الرُّسُلَ
مفعول به ليجمع منصوب بالفتحة.
فَيَقُولُ
الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب، يقول مضارع معطوف على يجمع والفاعل مستتر.
مَاذَا أُجِبْتُمْ
ماذا اسم استفهام مفعول به ثانٍ لأجبتم، أجبتم ماضٍ مبني للمجهول والتاء نائب فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
قَالُوا
ماضٍ والواو فاعل والجملة مستأنفة.
لَا عِلْمَ لَنَا
لا نافية للجنس تعمل عمل إن، علم اسمها مبني على الفتح في محل نصب، ولنا متعلق بمحذوف خبر لا؛ والجملة مقول القول.
إِنَّكَ
إن واسمها الكاف.
أَنتَ
ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ ثانٍ.
عَلَّامُ الْغُيُوبِ
خبر إن مرفوع وهو مضاف، والغيوب مضاف إليه؛ والجملة تعليلية لمقولهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من التشريعات الأرضية إلى المشهد الإشهادي الأخروي المهيب:
خاتمة معجزة للسورة؛ بعد أن فصّل العقود والحدود والحلال والحرام وأحكام الشهادة في السفر وشهادة الأولياء {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا}، نقل البشرية كلها إلى المشهد الأكبر للشهادة والمساءلة: مشهد القيامة وجمع الرسل والشهود؛ ليربط أحكام الدنيا بيوم الحساب الحق، فإذا كان الرسل أنفسهم يسألون ويفوضون العلم للهيبته، فكيف بغيرهم من العباد المكلفين؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق قول الرسل {لَا عِلْمَ لَنَا} ودفع توهم جهلهم بما حدث:
يدفع الإشكال: الرسل يعلمون يقيناً ما واجهتهم به أممهم في الدنيا من إيمان أو تكذيب، فكيف قالوا {لَا عِلْمَ لَنَا}؟!
والتحقيق العلمي لأئمة التفسير (كالطبري والرازي وابن كثير):
مقام الأدب والتعظيم: علم الرسل بالإضافة إلى علم الله المحيط كلاشيء؛ فاستحيا الرسل أن يثبتوا لأنفسهم علماً في مقام علام الغيوب.
سلب العلم بالبواطن والخواتيم: الرسل يعلمون الظاهر في حياتهم، أما حقيقة ما انطوت عليه القلوب وما أحدثته أممهم بعد وفاتهم من تحريف وتبديل وردة، فلا علم لهم به، بل الله وحده هو الرقيب العليم به.
هول المطلع وذهول العقول: يقع ذلك في ابتداء السؤال لهول يوم القيامة، ثم ينطقون بالشهادة بعد ذلك كما قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا}.
التنكير في نفي الجنس {لَا عِلْمَ لَنَا}: نفي مستغرق لكل ادعاء للعلم المحيط؛ كمال الخضوع والعبودية والتواضع بين يدي جلال الربوبية.
التأكيد بضمير الفصل وبناء المبالغة {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}: حصر وتوكيد بأن علم الغيب المطلق سر إلهي خالص لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار هيبة الوقوف بين يدي الله يوم القيامة، ومحاسبة النفس على الاستجابة لدعوة الرسل.
التأدب مع الله وتفويض الأمور وعلم الغيب إليه سبحانه، وتجريد التوحيد من دعاوى الاطلاع على السرائر.