أخرج الترمذي في "سننه" (رقم ٣٠٤٦ وحسنه) والحاكم (ج ٢، ص ٣١٣ وصححه ووافقه الذهبي) وابن جرير عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحرَس حتى نزلت هذه الآية: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم: "يا أيها الناس، انصرفوا فقد عصمني الله عز وجل"».
وأخرج مسلم في "صحيحه" (رقم ١٢١٨ من حديث جابر الطويل في حجة الوداع) أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في عرفات فقال: «وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت؛ فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد"».
وروى البخاري (رقم ٤٦١٢)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦١٢ ومسلم (رقم ١٧٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٧ عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: «من حدّثك أن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً مما أنزل الله عليه فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}».
رد الروايات الباطلة في ادعاء نزولها في غدير خم لولاية علي:
روى بعض القصاص والمبتدعة أن الآية نزلت يوم غدير خم في شأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قال أئمة التحقيق (كابن كثير في "تفسيره" ج ٣، ص ١٥٠، وابن تيمية في "منهاج السنة النبوية" ج ٧، ص ٤٥): «هذا باطل باتفاق أئمة النقل والتفسير؛ فالآية مدنية نزلت في سياق محاجة أهل الكتاب وفضح تحريفاتهم؛ وكان نزولها في أول مقام الهجرة أو في وسطها قبل فتح مكة وحجة الوداع بدهور؛ بدليل ترك الحراسة النبوية بمجرد نزولها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحرس في أول أمره بالمدينة؛ فدعوى نزولها في غدير خم بعد حجة الوداع بأشهر باطلة سنداً ومتناً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَلِّغْ
البلاغ الإيصال للشيء إلى غايته؛ وأمر بالتبليغ التام لجميع أجزاء الوحي دون كتمان شيء لهيبة أحد أو خوفه.
يَعْصِمُكَ
العصمة هي المنع والحفظ والحماية؛ عصمه يعصمه إذا منعه وحماه من القتل والاغتيال والظفر به.
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ
يا حرف نداء، أي منادى مبني على الضم في محل نصب، والها للتنبيه، والرسول عطف بيان.
بَلِّغْ
فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره أنت.
مَا
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لبلغ.
أُنزِلَ إِلَيْكَ
ماضٍ مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر يعود على ما، وإليك متعلق بأنزل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
مِن رَّبِّكَ
جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير في أنزل أو متعلق بأنزل.
وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ
الواو عاطفة، إن شرطية جازمة، لم جازمة، تفعل مضارع مجزوم بلم وهو فعل الشرط، والفاعل مستتر.
فَمَا بَلَّغْتَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، ما نافية، بلغت ماضٍ والتاء فاعل.
رِسَالَتَهُ
مفعول به منصوب بالفتحة والهاء مضاف إليه؛ وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: {رِسَالَاتِهِ} بالجمع؛ وقرأ الباقون {رِسَالَتَهُ} بالإفراد، وجملة فما بلغت في محل جزم جواب الشرط.
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ
الواو استئنافية، الله مبتدأ، يعصمك مضارع مرفوع والكاف مفعول به والفاعل مستتر والجملة الفعلية خبر المبتدأ.
مِنَ النَّاسِ
متعلق بيعصمك.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
جملة تعليلية استئنافية، القوم مفعول به والكافرين نعت منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلزام الرسول بالصدع بالحق وتأمين ظهره بالعصمة الإلهية:
موقع معجز في سياق السورة؛ بعد أن فصّل الله سبحانه قبائح أهل الكتاب ونفاقهم وجرأتهم على الله بقولهم {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} ومسارعتهم في الإثم، كان هذا الإعلان القرآني الصارم قد يثير مخاوف من اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم أو الفتك به على يد يهود الغدر أو المشركين؛ فجاء الأمر الإلهي الجازم بالصدع والتبليغ التام دون مبالاة ببطشهم، مصحوباً بالضمانة الربانية الكبرى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}؛ فانتفى كل عذر وخوف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجمع بين عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من القتل وما أصابه يوم أحد من شج الوجه وكسر الرباعية:
يدفع الإشكال: كيف يجمع بين قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} وما ثبت في السير الصحيحة من شج وجهه صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته يوم أحد، ووضع السم له في ذراع الشاة بخيبر؟!
والتحقيق العلمي الراسخ الذي أجمع عليه أئمة المحققين:
العصمة المنصوصة هي العصمة من القتل والاستئصال وتعطيل البلاغ: فالله عصمه أن يُقتل أو يُغتال أو يُقهر قبل إتمام رسالته وإبلاغ دينه كاملاً؛ وقد بلغ الرسالة تامة وظهر دينه على الدين كله.
الابتلاء الجسدي بالجراح والأمراض: مما يصيب سائر البشر هو من تمام كمال نبوته لرفع درجاته، ولتأسية أمته، وإظهار بشريته، وأنه عبد لا يُعبد؛ ولم يكن ذلك مانعاً من بقائه محفوظاً حتى أكمل الدين؛ وقد حفظه الله من السم حتى مات بأجله شهيداً مكرماً بعد استقرار الشريعة.
النداء بـ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} دون اسمه الشريف: تعظيم لشأنه، وإشعار بأن الوصف الذي يناديه به (الرسالة) هو علة الأمر بالبلاغ؛ فالرسول مأمور بطبيعته بالتبليغ التام، فإن لم يفعل لم يقم بحقيقة الرسالة.
الشرط الفرضي الجازم في {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}: كقوله تعالى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}؛ وهو أسلوب يفيد أن كتمان حكم واحد أو حرف واحد من الوحي مساوٍ لإهدار الرسالة كلها؛ لأن الوحي وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شجاعة الداعية والصدع بالحق كاملاً دون مواربة أو مداهنة لحساب أحد؛ مستيقناً أن الآجال والأرزاق بيد الله وحده.
الشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بكمال التبليغ والنصح للأمة، وبطلان كل دعوى تزعم أن هناك باطناً مكتوماً أو علماً سرياً خُصّ به أحد دون سائر الأمة.