أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٩١٦-٩٢٢)مصدر غير محدد١٠/٩١٦ وابن أبي حاتم وابن كثير عن مجاهد وقتادة والسدي: من تاب إلى الله من بعد ارتكاب جريمة السرقة، وندم على ظلمه، وأصلح عمله في المستقبل ورد الأموال المسروقة إلى أصحابها إن كانت باقية أو تحلل منهم؛ فإن الله تعالى يغفر له ذنبه ويتوب عليه وتزول عنه وصمة الفسق.
وأجمع العلماء على أن التوبة بعد إقامة الحد عليه تكفر ذنبه؛ كما ثبت في صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت: «ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له وطهور».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ
الظلم هنا هو جناية السرقة والتعدي على أموال الناس.
وَأَصْلَحَ
الإصلاح هو استقامة العمل واستدراك الفساد برد المظالم والتحلل من أصحاب الحقوق وصلاح النية.
فَمَن تَابَ
الفاء عاطفة تفريعية، من اسم شرط جازم مبتدأ، تاب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاعل مستتر.
مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ
متعلق بتاب، وظلمه مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.
وَأَصْلَحَ
معطوف على تاب.
فَإِنَّ اللَّهَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، إن واسمها.
يَتُوبُ عَلَيْهِ
جملة فعلية خبر إن، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط؛ وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ (من).
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
جملة تعليلية استئنافية مؤكدة لسعة الرحمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التوازن القرآني بين حسم العقوبة وفتح باب التوبة:
نسق تربوي وإصلاحي فريد؛ فبعد أن قرر العقوبة الصارمة بقطع اليد نكالاً وزجراً في الآية السابقة؛ فتح هنا باب الأمل والتطهر؛ ليعلم الجاني أن إقامة الحد عليه أو وقوعه في الذنب لا يجعله منبوذاً إلى الأبد، بل متى ما تاب وأصلح رُفعت درجته وعاد عضواً صالحاً مكرماً في المجتمع المسلم؛ فجمعت الشريعة بين زجر الردع وإحسان الإصلاح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل تسقط التوبة حد القطع إذا رُفعت القضية للقاضي؟:
يدفع الإشكال: فرّق الفقهاء والمحققون بين حالتين:
قبل وصول الأمر إلى القاضي والحاكم: إن تاب السارق وتصالح مع صاحب المال ورده إليه وعفا عنه صاحب الحق سقط الحد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لصفوان بن أمية لما عفا عن سارق ردائه بعد رفعه: «فهلا كان ذلك قبل أن تأتيني به!».
بعد وصول الأمر إلى القاضي وثبوته بالبينة: لا تسقط التوبة إقامة الحد الدنيوي صيانةً للنظام وحسماً للتهاون في حدود الله؛ ولكن تنفعه توبته فيما بينه وبين الله تعالى بمحو إثم الذنب والنجاة من عذاب الآخرة؛ فالحد كفارة وتمحيص.
التقييد الصارم بـ {وَأَصْلَحَ} بعد التوبة: دلالة على أن التوبة الكلامية المجردة لا وزن لها في المظالم؛ فلا بد من "الإصلاح" الفعلي برد المال المسروق وإبراء الذمة؛ والتذييل باسمي {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغرس السكينة في نفس التائب النادم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قبول التائبين في المجتمع وعدم تعييرهم بسوابقهم بعد صدق توبتهم واستقامتهم.
المسارعة إلى رد الحقوق والمظالم إلى أصحابها في الدنيا قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار.