سبب النزول وسياق كفارة الأيمان بعد عزم الصحابة على التبتل:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٦٥٦-٦٦٨)مصدر غير محدد١٠/٦٥٦ وابن أبي حاتم عن ابن عباس وعائشة ومجاهد: «لما نهى الله الصحابة الذين هموا بالتبتل وتحريم الطيبات في الآية السابقة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}، قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها في تحريم النساء واللحم والنوم؟ فأنزل الله تعالى كفارة اليمين ومخرجها: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ...}».
تفسير لغو اليمين وعقدها في الآثار الفقهية:
أخرج البخاري (رقم ٦٦٦٣)مصدر غير محددحديث رقم ٦٦٦٣ عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لغو اليمين هو قول الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله، مما يجري على اللسان بغير عقد القلب».
وعن ابن عباس والشعبي والحسن: «عقد اليمين هو ما حلف عليه المرء عن قصد ونية مستقبلية عاقداً قلبه عليه».
القراءات في {عَقَّدتُّمُ}:
قرأ الجمهور (نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم والكسائي): {عَقَّدتُّمُ} بتشديد القاف؛ وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم في رواية: {عَقَدتُّمُ} بالتخفيف؛ وقرأ ابن ذكوان وأبو جعفر: {عَاقَدتُّم}؛ وكلها تدل على التوثيق وتأكيد النية في اليمين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بِاللَّغْوِ
الكلام الساقط الذي لا عقد معه ولا قصد.
عَقَّدتُّمُ
وثقتم وأكدتم العزم بالنية والقصد.
أَوْسَطِ
الوسط هو المتوسط العدل الخالي من الإسراف والتقتير، وهو غالب قوت البلد.
تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
إعتاق عبد أو أمة مؤمنة من الرق.
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ
لا نافية، يؤاخذكم مضارع مرفوع والكاف مفعول والله فاعل.
بِاللَّغْوِ
متعلق بيؤاخذكم.
فِي أَيْمَانِكُمْ
متعلق بمحذوف حال من اللغو.
وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم
عاطف ومضارع ومفعوله والفاعل مستتر.
بِمَا
الباء سببية، ما مصدرية؛ أي بتعقيدكم الأيمان؛ أو موصولة ومفعولها محذوف.
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مصدر مضاف لمفعوله الأول {عَشَرَةِ}، وعشرة مضاف ومساكين مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف على صيغة منتهى الجموع.
مِنْ أَوْسَطِ
متعلق بمحذوف نعت لإطعام أو متعلق بإطعام، وأوسط مضاف وما موصولة مضاف إليه.
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ
مضارع وفاعله، وأهليكم مفعول به منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم والكاف مضاف إليه.
أَوْ كِسْوَتُهُمْ
أو للتخيير، كسوتهم معطوف على إطعام مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه.
أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
معطوف على إطعام، ورقبة مضاف إليه.
فَمَن لَّمْ يَجِدْ
الفاء للتفريع، من اسم شرط جازم مبتدأ، لم يجد مضارع مجزوم فعل الشرط والفاعل مستتر.
فَصِيَامُ
الفاء رابطة، صيام خبر لمبتدأ محذوف تقديره "فالواجب عليه صيام"، وثلاثة مضاف وأيام مضاف إليه، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ
مبتدأ وخبر.
إِذَا حَلَفْتُمْ
إذا ظرف تضمن معنى الشرط، وحلفتم ماضٍ وفاعله، والجواب محذوف دل عليه ما قبله (أي فكفروا).
وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ
أمر بالتقوى والبر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان المخرج الشرعي للأيمان المؤكدة بالحنث التكفيري:
إحكام تشريعي فذ؛ فلما أوجب الله التراجع عن تحريم الحلال وحل تلك الأيمان التي عقدها الصحابة، فصّل هنا بدقة متناهية أحكام اليمين: فرفع المؤاخذة عن اللغو العارض صيانة للسان، وأثبت المؤاخذة في الأيمان المعقودة بالقلب، ورتّب كفارة دقيقة رحيمة تجمع بين التخيير والترتيب لإبراء الذمة وحفظ حرمة اسم الله تعالى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق المسائل الفقهية الكبرى في كفارة اليمين:
التخيير والترتيب: كفارة اليمين مخيرة بين ثلاثة أشياء ابتداءً: (إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة)؛ فمن عجز عن هذه الثلاثة جميعاً انتقل وجوباً بالترتيب إلى (صيام ثلاثة أيام)؛ فلا يجزئ الصيام مع القدرة على الإطعام أو الكسوة بإجماع الفقهاء.
قدر الإطعام: أوسط ما يطعم أهله؛ وقدره جمهور الفقهاء بنصف صاع (مدين) من غالب قوت البلد كالتمر أو القمح أو الأرز لكل مسكين؛ وأجاز أبو حنيفة إخراج القيمة إذا كانت أنفع للفقير.
تتابع الصيام: قرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود رضي الله عنهما في قراءة شاذة تفسيرية: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ}؛ فذهب الحنفية والحنابلة إلى اشتراط التتابع، واستحبه الشافعية والمالكية.
التقسيم البديع بـ "أو" للتخيير وبـ "الفاء" للترتيب: دقة بيانية تشريعية لا تحتمل اللبس؛ رتبت الأولويات الاجتماعية أولاً بالإطعام والكسوة والعتق لتعود المصلحة على الفقراء، وجعلت الصيام بدلاً اضطرارياً للعاجز.
الأمر بحفظ الأيمان في {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}: كلمة جامعة تعني: احفظوها بعدم الإكثار من الحلف، واحفظوها بالصدق والوفاء إذا حلفتم، واحفظوها بالكفارة ولا تهملوها إذا حنثتم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم اسم الله تعالى وتنزيهه عن كثرة الحلف والابتذال في البيع والشراء والمخاصمات.
المسارعة إلى إخراج الكفارة الشرعية عند الحنث في اليمين لإبراء الذمة أمام الله.