أخرج الطبري (ج ١١، ص ٤٩-٦٢)مصدر غير محدد١١/٤٩ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وأبي هريرة والحسن:
{صَيْدُ الْبَحْرِ}: «ما صيد منه طرياً حياً».
{وَطَعَامُهُ}: «ما قذفه البحر ميتاً على ساحله، أو طفا على وجه مائه».
وروى مالك في "الموطأ" (رقم ٤٣)الموطأمالك بن أنسحديث رقم ٤٣ وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (حديث صحيح صححه الترمذي وابن خزيمة).
وفي "الصحيحين" حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في سرية سيف البحر (جيش الخبط) وفيهم أبو عبيدة بن الجراح، حين ألقى لهم البحر حوتاً عظيماً يقال له "العنبر"، فأكل منه الجيش (ثلاثمائة رجل) شهراً حتى سمنوا وتزودوا منه، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء تطعمونا؟ فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
صَيْدُ الْبَحْرِ
كل حيوان يعيش في الماء مأكولاً.
مَتَاعًا
منفعة وتغذية وبلاغاً للمسافرين.
وَلِلسَّيَّارَةِ
جمع سيار، وهم القوم المسافرون السائرون في الأرض.
صَيْدُ الْبَرِّ
كل صيد وحشي بري يعيش في اليابسة وله مثل أو نظير.
أُحِلَّ
ماضٍ مبني للمجهول.
لَكُمْ
متعلق بأحل.
صَيْدُ
نائب فاعل مرفوع بالضمة، والبحر مضاف إليه.
وَطَعَامُهُ
معطوف على صيد مرفوع والهاء مضاف إليه.
مَتَاعًا
مفعول مطلق منصوب (أي متعكم به متاعاً)، أو مفعول لأجله، أو حال.
لَّكُمْ
متعلق بمتاعاً.
وَلِلسَّيَّارَةِ
معطوف على لكم.
وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ
ماضٍ مبني للمجهول ومتعلقه.
صَيْدُ الْبَرِّ
نائب فاعل والبر مضاف إليه.
مَا دُمْتُمْ
ما مصدرية ظرفية، دمتم ماضٍ ناقص واسمها التاء.
حُرُمًا
خبر دمتم منصوب بالفتحة؛ والمصدر المؤول في محل نصب ظرف زمان متعلق بحُرم (أي مدة دوامكم محرمين).
وَاتَّقُوا اللَّهَ
أمر وفاعله ومفعوله.
الَّذِي
نعت للفظ الجلالة.
إِلَيْهِ
متعلق بتحشرون.
تُحْشَرُونَ
مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التفريق التشريعي الباهر بين صيد البر وصيد البحر رفقاً بالأمة:
مظهر من مظاهر السعة والرحمة الإلهية؛ فلما شدد وحرم صيد البر على المحرم صيانة لحرمة الإحرام، فتح باب صيد البحر مطلقاً للمحرم والحلال؛ دفعاً للمشقة والمجاعة عن ركاب السفن والمسافرين عبر البحار؛ إذ لا يجد راكب البحر مرعى ولا ذبائح برية، فلو حُرم عليه صيد البحر لهلك؛ فجاء استثناء البحر بياناً لكمال الشريعة وتوازنها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق حكم ميتة البحر ودفع توهم التعارض مع تحريم الميتة المطلق في أول السورة:
يدفع الإشكال: قال الله في أول المائدة {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}، وهنا أحل {وَطَعَامُهُ} وهو ميتة البحر بالنص النبوي!
والتحقيق الأصولي:
آية تحريم الميتة عامة في سائر ميتات البر والحيوانات ذات الدم المسفوح؛ وهذه الآية الكريمة وحديث «الحل ميتته» مخصصان لعموم الميتة؛ فالخاص يقضي على العام بإجماع علماء المسلمين؛ فجميع حيوانات البحر التي لا تعيش إلا في الماء ميتتها حلال طاهرة لا تحتاج إلى ذكاة شرعية.
المقابلة بين الإحلال المطلق والتحريم المقيد: أحل صيد البحر دون قيد {أُحِلَّ لَكُمْ}، بينما قيد تحريم صيد البر بمدة الإحرام فقط {مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}؛ للدلالة على أن التحريم عارض استثنائي لحكمة تعظيم النسك، وأن الأصل في الطيبات هو الحل.
التذكير بالحشر في الختام {الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}: إيقاظ للضمير بأن كل تصرف في الحل والحرمة مسجل وسيعرض العبد به أمام ربه يوم الحشر والجزاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعم الله تعالى في تيسير أرزاق البر والبحر للمسافرين والمقيمين.
الانضباط بحدود الله في الحل والحرمة، واستشعار الوقوف بين يدي الله يوم القيامة.