تفسير الآثار في مقاصد الحواريين الأربعة من طلب المائدة:
أخرج الطبري (ج ١١، ص ١٧٦-١٨٠)مصدر غير محدد١١/١٧٦ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «بيّن الحواريون لعيسى عليه السلام بواعث طلبهم المائدة حين نهاهم، فذكروا أربعة مقاصد شريفة خالية من العناد والشك:
طلب البركة والرزق: {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا} لنتبرك بطعام نزل من الجنة ونستعين به على طاعته.
زيادة اليقين وطمأنينة القلب: {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} بأن الله قد قبل صيامنا ورضي عنا وأننا أجبنا بالحق؛ كما قال إبراهيم عليه السلام: {وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}.
علم المشاهدة والعيان: {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} بأنك رسول الله حقاً علم يقين ومشاهدة عيانية تزيدنا ثباتاً.
أداء أمانة الشهادة للأجيال: {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} لله بالقدرة والوحدانية، ولك بالرسالة والصدق، فنشهد بها لمن لم يرها من بني إسرائيل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا
الطمأنينة سكون النفس وذهاب الخواطر والوساوس المقلقة؛ لتصل إلى مرتبة عين اليقين.
أن مصدرية ناصبة، نأكل مضارع منصوب والفاعل مستتر، والمصدر المؤول مفعول به لنريد.
مِنْهَا
متعلق بنأكل.
وَتَطْمَئِنَّ
معطوف على نأكل منصوب بالفتحة.
قُلُوبُنَا
فاعل تطمئن مرفوع بالضمة ونا مضاف إليه.
وَنَعْلَمَ
معطوف منصوب.
أَن
مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف (أنه).
قَدْ صَدَقْتَنَا
قد حرف تحقيق، صدقتنا ماضٍ والتاء فاعل ونا مفعول به، والجملة خبر أن المخففة؛ والمصدر المؤول سد مسد مفعولي نعلم.
وَنَكُونَ
معطوف على نأكل منصوب، واسمها مستتر تقديره نحن.
عَلَيْهَا
متعلق بمحذوف حال من الشاهدين أو بالشاهدين.
مِنَ الشَّاهِدِينَ
متعلق بمحذوف خبر نكون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيضاح المقاصد وتجريد الطلب من شوائب المكابرة:
تناسق تربوي حكيم؛ فلما رد عليهم عيسى بالتقوى، كشفوا عن نقاء سريرتهم، ودفعوا تهمة التعنت والمكابرة؛ فبينوا أن غايتهم ليست التحدي ولا التشكيك، بل ابتغاء عين اليقين، وشهود البرهان الحسي، والقيام بواجب الدعوة والشهادة على أمتهم؛ فرضي عيسى بمقصدهم وأقبل على الدعاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مراتب اليقين (علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين):
طلب الحواريين {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} نظير سؤال إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}؛ فالنفس البشرية مهما بلغت في التصديق العقلي النظري (علم اليقين)، فإنها تشتاق إلى الرؤية والمشاهدة الحسية (عين اليقين)؛ لتزول عنها خطرات الطبع وتستقر فيها السكينة المطلقة.
بدأ بالأدنى حساً وهو الأكل للبدن {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا}، ثم ارتقى إلى طمأنينة القلب {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا}، ثم إلى الرسوخ العلمي {وَنَعْلَمَ}، ثم بلغ الذروة بالغاية الرسالية العليا وهي الشهادة وتبليغ الرسالة {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ}.
التنكير في {مَائِدَةً} والإطلاق: لبيان عظيم المعجزة الربانية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية طلب المسلم لوسائل زيادة الإيمان وثبات اليقين والاطمئنان الروحي.
استحضار الغايات الدعوية الرسالية في سائر المطالب والتحركات اليومية.