وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
تفسير الآثار في إبطال بدع الجاهلية في الأنعام:
أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٣٥٢١ و٤٦٢٣) ومسلم (رقم ٢٨٥٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٥٦ عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت عمرو بن عامر بن لُحَيّ بن قَمَعَة بن خندف يجر قُصْبَهُ (أمعاءه) في النار، وكان أول من غيّر دين إبراهيم، وسيّب السوائب، وبحّر البحيرة، وحمى الحامي».
وتفسير هذه الأنعام في لسان السلف (سعيد بن المسيب وابن عباس والزهري ومجاهد):
البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً بحروا أذنها (أي شقوها شقاً متسعاً) وحرّموا ركوبها ودرها ولا يمنعونها من ماء ولا مرعى.
السائبة: البعير يسيبه الرجل لنذر نذره لشفاء مريضه أو قدوم غائبه فيجعله خالصاً لآلهتهم لا يُركب ولا يُحمل عليه.
الوصيلة: الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، فإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم وجعلوه محرماً.
الحام: الفحل من الإبل إذا ضرب في طروقته عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره، فلا يُركب ولا يُحمل عليه ولا يُمنع من مرعى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَا جَعَلَ اللَّهُ
ما شرع ولا أذن ولا حكم بتحريم شيء من ذلك.
يَفْتَرُونَ
يختلقون الكذب وينسبونه إلى شرع الله جهلاً وتألهاً.
مَا
نافية.
جَعَلَ اللَّهُ
ماضٍ والله فاعل.
مِن
حرف جر زائد لاستغراق النفي وتأكيده.
بَحِيرَةٍ
مفعول به لجعل مجرور لفظاً بمن الزائدة منصوب محلاً.
وَلَا سَائِبَةٍ
معطوف مجرور لفظاً.
وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ
معطوفان، وحامٍ مجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوفة.
وَلَٰكِنَّ
الواو عاطفة، لكن حرف استدراك ونصب.
الَّذِينَ كَفَرُوا
اسم لكن، وجملة كفروا صلة.
يَفْتَرُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر لكن.
عَلَى اللَّهِ
متعلق بيفترون.
الْكَذِبَ
مفعول به منصوب.
وَأَكْثَرُهُمْ
الواو حالية أو عاطفة، أكثرهم مبتدأ والهاء مضاف إليه.
لَا يَعْقِلُونَ
لا نافية، يعقلون مضارع مرفوع والواو فاعل والجملة خبر أكثرهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط البدع التشريعية وأوهام التحريم الجاهلي:
نسف للأوهام الوثنية من جذورها؛ بعد أن حذر من كثرة الأسئلة المؤدية إلى التحريم البدعي، ضرب لهم مثلاً بأشنع ما ابتدعته الجاهلية العربية من تحريم الأنعام من تلقاء أنفسهم؛ فبيّن أن الله لم يشرع قط بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حاماً، وإنما هي افتراءات شيطانية اختلقها كبراؤهم ونسبوها كذباً إلى دين إبراهيم، وتبعهم عليها العامة لتعطل عقولهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق سلطان التشريع وحصر التحليل والتحريم في الله وحده:
تقرر الآية أصلاً عقائدياً وتشريعياً قطعياً: لا يملك أحد في الأرض كائناً من كان (ملكاً أو حبراً أو كاهناً أو عُرفاً قبلياً) أن يحرم ما أحل الله أو يحلل ما حرم الله؛ فمن حرم شيئاً من المباحات أو أوجب شيئاً بغير وحي فقد افترى على الله الكذب وجعل نفسه شريكاً لله في الربوبية؛ والتحريم والتحليل حق خالص للخالق جل وعلا.