سبب النزول ومؤامرة أحبار اليهود لفتنة النبي صلى الله عليه وسلم:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ١٠٣٦-١٠٤٥)مصدر غير محدد١٠/١٠٣٦ وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اجتمع جماعة من أحبار اليهود -منهم كعب بن أسد وابن صوريا وشاس بن قيس- فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه؛ فأتوه فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفتَ أنا أحبار اليهود وأشرافهم وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا سائر اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونؤمن بك ونصدقك! فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ورفض المساومة على حساب الحق، فأنزل الله تعالى محذراً لنبيه وكاشفاً مؤامرتهم: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَفْتِنُوكَ
الفتنة هنا الصد والصرف والإمالة عن الحق إلى أهوائهم ومصالحهم.
تَوَلَّوْا
أعرضوا عن حكمك العادل بما أنزل الله.
يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
ينزل بهم العقوبة العاجلة في الدنيا بجريرة بعض ذنوبهم (كالقتل والجلاء والخزي)، وادخر لهم تمام العقاب في الآخرة.
وَأَنِ احْكُم
الواو عاطفة، أن مخففة من الثقيلة أو مصدرية، وحركت نونها بالكسر لالتقاء الساكنين؛ احكم فعل أمر وفاعله مستتر، والمصدر المؤول معطوف على الكتاب في قوله {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ... وَأَنِ احْكُم}.
بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
متعلقان باحكم.
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ
لا ناهية، تتبع مضارع مجزوم وأهواءهم مفعول به.
وَاحْذَرْهُمْ
فعل أمر وفاعل ومفعول به.
أَن يَفْتِنُوكَ
أن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول لأجله أو بدل اشتمال من الهاء في احذرهم (أي احذر فتنتهم إياك).
عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ
متعلق بيفتنوك.
فَإِن تَوَلَّوْا
شرط وجوابه، الفاء فصيحة، تولوا فعل الشرط.
فَاعْلَمْ
رابطة وفعل أمر وفاعله.
أَنَّمَا
كافة ومكفوفة تفيد الحصر.
يُرِيدُ اللَّهُ
مضارع وفاعل.
أَن يُصِيبَهُم
أن وما في حيزها في تأويل مصدر مفعول به ليريد.
بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
متعلق بيصيبهم.
وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ
الواو استئنافية، إن واسمها، ومن الناس نعت، واللام المزحلقة، وفاسقون خبر إن مرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعادة التوكيد الحازم لقطع كل مطامع المساومة:
كرر القرآن الأمر بالحكم بما أنزل الله والنهي عن اتباع الأهواء تأكيداً بعد تأكيد؛ لبيان خطورة المؤامرة الدائمة التي يقودها المفسدون وأصحاب المصالح للضغط على القضاء والتشريع؛ محذراً من التنازل ولو عن "بعض" أحكام الشريعة إرضاءً لطبقة أو فئة، ومبيناً أن إعراضهم ليس حجة لنقض الشريعة بل هو علامة على حلول النقمة الإلهية بهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: لماذا قال {بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} ولم يقل بذنوبهم كلها؟:
يدفع الإشكال: نكتة تشريعية وعقدية في غاية العمق حررها الطبري وابن كثير:
إن ذنوبهم متراكمة لا تحيط بها العبارة من الكفر وتحريف الكلم وقتل الأنبياء؛ فلو عاقبهم الله بجميع ذنوبهم في الدنيا لأفناهم عن بكرة أبيهم وما ترك على ظهرها من دابة؛ ولكنه يعاقبهم بـ "بعض ذنوبهم" في الدنيا كالجلاء والذلة والنكال ليكون عبرة للمعتبرين، ويدخر لهم سائر العقاب العظيم في نار جهنم.
التنبيه على أن مجرد الإعراض عن حكم الله والتولي عنه هو ذنب كافٍ في استنزال العقوبات والمصائب على الأمم والأفراد.
التحذير من التنازل عن "البعض" في قوله {عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}: دقة بيانية معجزة؛ فالعدو لا يطلب في الغالب إسقاط الدين كله دفعة واحدة لئلا ينفر الناس؛ وإنما يبدأ بالمساومة على "بعض" الأحكام والجزئيات تدريجياً حتى ينفرط العقد بتمامه؛ فجاء التحذير الإلهي الصارم من التنازل عن أي جزء ولو كان يسيراً في ميزان الناس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات المطلق على مبادئ الشريعة، ورفض كل المساومات السياسية أو الاجتماعية التي تمس ثوابت الدين.
اليقين بأن إعراض المعاندين وتمردهم على الشريعة ليس دليلاً على نقص في أحكام الله، بل هو قدر إلهي بمؤاخذتهم وإهلاكهم بذنوبهم.