سبب النزول وسياق ابتلاء الصحابة بالصيد في عام الحديبية وهم محرمون:
أخرج الطبري (ج ١١، ص ٦-١٥)مصدر غير محدد١١/٦ وابن أبي حاتم وابن كثير ومقاتل: «نزلت هذه الآية عام الحديبية (سنة ست من الهجرة)؛ وكان المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحرمين بالعمرة، فغشيتهم الوحوش والصيد في منازلهم وطرقهم بكثرة لم يروا مثلها قط؛ حتى كانت الظباء وحمر الوحش والطيور تغشاهم في رحالهم تدنو منهم حتى ينالونها بأيديهم، وتنال الكبار برماحهم؛ فابتلاهم الله بذلك وهو محرمون ليمتحن صبرهم وطاعتهم لنهيه عن قتل الصيد في الإحرام؛ فما بسط أحد منهم يده إلى صيد تعظيماً لأمر الله وإحرامه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لَيَبْلُوَنَّكُمُ
اللام موطئة للقسم، والابتلاء هو الاختبار والامتحان الشديد لإظهار الصادق من الكاذب.
بِشَيْءٍ
التقليل والتنكير؛ لبيان أنه ابتلاء مقدور عليه يسير على من وفقه الله.
بِالْغَيْبِ
حال كونه غائباً عن أعين الناس يخاف الله في خلواته وسره؛ أو يخاف عذاب الله الغائب عن الأبصار.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
نداء إيماني للتهيئة للامتحان.
لَيَبْلُوَنَّكُمُ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، يبلونكم مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل رفع، والكاف مفعول به أول.
اللام لام التعليل، يعلم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والله فاعله؛ والمصدر المؤول متعلق بيبلونكم.
مَن
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ليعلم (أو استفهامية في محل رفع مبتدأ).
يَخَافُهُ
مضارع والفاعل مستتر والهاء مفعول به والجملة صلة الموصول.
بِالْغَيْبِ
متعلق بمحذوف حال من فاعل يخافه.
فَمَنِ اعْتَدَىٰ
الفاء استئنافية، من اسم شرط جازم مبتدأ، اعتدى ماضٍ في محل جزم فعل الشرط والفاعل مستتر.
بَعْدَ ذَٰلِكَ
ظرف مكان متعلق باعتدى، وذلك مضاف إليه.
فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ
الفاء رابطة، له خبر مقدم، عذاب مبتدأ مؤخر، أليم نعت، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعداد النفوس للتمحيص وتثبيت التقوى في مواطن الإغراء والقدرة:
براعة نظم معجزة؛ بعد أن حرّم الخمر والميسر والميتة، وكان تحريم الصيد في الإحرام قد فُرض مجملاً في أول السورة {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ}، أخبرهم هنا مسبقاً بهذا الابتلاء العملي الحسي؛ ليوطنوا أنفسهم على الامتناع؛ فجاء الصيد سهلاً في متناول اليد والرمح، ليتميز من يراقب الله في سره ممن يضعف أمام إغراء الشهوة؛ فكان تمحيصاً ربانياً عظيماً لجيل الصحابة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق معنى {لِيَعْلَمَ اللَّهُ} وتنزيهه سبحانه عن الجهل بالغيوب:
يدفع الإشكال: الله علام الغيوب يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فكيف يقول {لِيَعْلَمَ اللَّهُ} بصيغة التعليل؟!
والتحقيق العقلي الأصولي لأهل السنة والجماعة (كما قرره ابن جرير الطبري وابن تيمية وابن كثير):
المراد: "ليعلم الله علماً ظاهراً يتعلق به الثواب والعقاب في الواقع المشهود"؛ لأن الله تعالى لا يعاقب العباد ولا يثيبهم بمجرد علمه الأزلي السابق بما سيفعلونه، بل يعاقبهم ويثيبهم على ما يقع منهم فعلاً وحقيقة في عالم الشهادة؛ فالمراد: ليميز ويظهر علمه واقعاً مشاهداً تُقام به الحجة على العباد وتبرأ به ساحتهم.