تفسير المسخ ولعنة أسلاف أهل الكتاب في الآثار النبوية:
أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم ٢٦٦٣)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٦٣ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير: أهي مما مُسخ؟ فقال: «إن الله عز وجل لم يُهلك قوماً أو يمسخ قوماً فيجعل لهم نسلاً ولا عقباً، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك». فالممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام ولا يتناسل، وإنما عوقب بنو إسرائيل بالمسخ إلى صور هذه الحيوانات الخبيثة.
وأخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١٠، ص ٤٥٣-٤٦٣)جامع البيانالطبري١٠/٤٥٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي:
{وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ}: أصحاب السبت الذين اعتدوا في سبتهم فمسخهم الله قردة خاسئين.
{وَالْخَنَازِيرَ}: كفار مائدة عيسى الذين كفروا بعد نزول المائدة فمُسخوا خنازير؛ وقيل: أصحاب السبت شيوخهم مُسخوا خنازير وشبانهم قردة.
{وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ}: قرأ الجمهور {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} بفتح الباء والدال على أنه فعل ماضٍ معطوف على لعنه وغضب، والفاعل عائد على "من"؛ أي ومن عبد الطاغوت من أسلافهم كعبادة العجل والكواكب والأحبار. وقرأ حمزة: {وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ} بضم الباء وجر الطاغوت، وهو جمع عبد، كحَمَل وحُمُل، أو اسم مفرد يراد به الجمع كحَذَر وحَذُر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَثُوبَةً
الثواب والجزاء؛ واستعملت هنا على سبيل التهكم والمشاكلة؛ لأن المثوبة في الأصل للخير.
الطَّاغُوتَ
كل ما عُبد من دون الله ورضي بالعبادة، أو كل متبوع ومطاع في معصية الله وتحليل الحرام.
سَوَاءِ السَّبِيلِ
قصد الطريق ووسطه الموصل إلى الحق والنجاة.
قُلْ
فعل أمر.
هَلْ أُنَبِّئُكُم
هل حرف استفهام، أنبئكم مضارع مرفوع، وفاعله مستتر، والكاف مفعول به أول.
بِشَرٍّ
جار ومجرور متعلق بأنبئكم، وهو مفعول ثانٍ بوساطة الحرف.
مِّن ذَٰلِكَ
متعلق بشر، وذلك اسم إشارة عائد إلى ما ينقمونه من المسلمين.
مَثُوبَةً
تمييز منصوب بالفتحة لشر.
عِندَ اللَّهِ
ظرف مكان متعلق بمحذوف نعت لمثوبة، والله مضاف إليه.
مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ
من اسم موصول في محل جر بدل من "شر"، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هو من لعنه الله"؛ لعنه ماضٍ والهاء مفعول به والله فاعل.
وَغَضِبَ عَلَيْهِ
معطوف على جملة الصلة.
وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ
جعل ماضٍ وفاعله مستتر، ومنهم متعلق بجعل أو بمحذوف حال، والقردة مفعول أول.
وَالْخَنَازِيرَ
معطوف منصوب بالفتحة.
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ
معطوف على جملة لعنه؛ أو فعل ماضٍ وفاعله مستتر والطاغوت مفعول به.
أُولَٰئِكَ
اسم إشارة مبتدأ.
شَرٌّ
خبر المبتدأ مرفوع.
مَّكَانًا
تمييز منصوب.
وَأَضَلُّ
معطوف على شر مرفوع.
عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ
متعلق بأضل، والسواء مضاف والسبيل مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلزام الخصم بفضائح تاريخه الأسود:
بعد أن نقض ادعاءهم بأن إيمان المسلمين عيب يُنقم، ألقمهم الحجر القاطع؛ فقال: إن كنتم تزعمون أن الإيمان شر يُنقم، فهلم أخبركم بمن هو أشر من ذلك جزاءً ومكاناً عند الله وثابتاً في كتبكم المعتمدة: أليسوا أسلافكم الذين لعنهم الله وغضب عليهم ومسخهم قردة وخنازير وعبدوا الطاغوت من دون الله؟! فكيف يعير الطاهر بالدرن، ويتطاول أصحاب التاريخ الممسوخ على أهل التوحيد المصفى؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
حقيقة المسخ ودلالته العقلية والتشريعية:
يدفع الإشكال: شكك الملاحدة والمستشرقون في حقيقة المسخ وزعموا أنه مجاز عقلي أو خلقي وليس تحويلاً جسدياً؛ وحقق أئمة أهل السنة والجماعة (كابن جرير وابن كثير وابن تيمية):
المسخ واقع حقيقة بالقدرة الإلهية المطلقة التي خلقت الإنسان ابتداءً؛ فقلب الله صورهم وأجسادهم إلى صور القردة والخنازير عقوبة نكالاً، عقاباً على تحايلهم على أوامر الله واعتدائهم في السبت؛ لأنهم مسخوا حقيقة الشريعة بالحيل والخبث، فمسخ الله صورهم إلى أخبث الحيوانات حيلة وخسة؛ جزاء وفاقاً.
التهكم بالاستعمال البديع لكلمة {مَثُوبَةً}: المثوبة تقال لجزاء الطاعة، واستعمالها هنا في اللعن والغضب والمسخ على طريق التهكم كقوله: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.
التنكير والمفاضلة في {شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ}: صيغة "أفعل التفضيل" هنا ليست على بابها من وجود اشتراك في الأصل، بل هي للمبالغة الصرفة في الشر والضلال؛ أو هي على بابها بالنسبة لما يزعمه اليهود في المسلمين؛ أي: إن كان في ديننا شر بزعمكم، فمكانكم أنتم أشد شراً وأضل سبيلاً ببرهان كتبكم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استخدام الحجة العقلية والتاريخية لإلجام المبطلين وفضح ادعاءات الاستعلاء العرقي أو الديني.
الحذر من التحايل على شرع الله واستباحة محارمه، فإن الحيلة على أحكام الله من خصال الملعونين والممسوخين.