أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٨٠٧-٨١٦)مصدر غير محدد١٠/٨٠٧ وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد والسدي: لم تؤثر تلك المواعظ البليغة والنصائح الصادقة في قلب قابيل المتكبر المظلم؛ بل ظلت نفسه الأمارة بالسوء تزين له الجريمة، وتهون في عينه فداحة سفك دم أخيه شقيقه، حتى طوعت له نفسه وسهلت له القتل، فترصده وضربه بحجر على رأسه وهو نائم فقتله؛ فأصبح من الخاسرين في الدنيا بزوال راحته وحلول لعنة الله، وفي الآخرة بخلوده في العذاب ومشاركته لكل قاتل في وزره إلى يوم القيامة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَطَوَّعَتْ
التطويع في لسان العرب: التسهيل والتزيين والتحبيب وتذليل الصعب حتى يصير طائعاً منقاداً؛ يقال: طوعت له نفسه كذا أي زينته له وأطاعته على فعله بعد استعصاء ورهبة.
الْخَاسِرِينَ
الذين خسروا أنفسهم ودينهم وآخرتهم، ونالوا الخزي والندامة الأبدية.
فَطَوَّعَتْ
الفاء عاطفة، طوّع فعل ماض والتاء للتأنيث.
لَهُ
متعلق بطوّعت.
نَفْسُهُ
فاعل مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه.
قَتْلَ أَخِيهِ
قتل مفعول به منصوب، وأخيه مضاف إليه مجرور بالياء لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء مضاف إليه.
فَقَتَلَهُ
الفاء عاطفة سريعة، قتل فعل وفاعل ومفعول به.
فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ
الفاء عاطفة، أصبح فعل ماض ناقص من أخوات كان، واسمها ضمير مستتر يعود على قابيل، ومن الخاسرين متعلق بمحذوف خبر أصبح منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة الانتقال من التزيين النفسي إلى الوقوع في الجريمة:
إعجاز تصويري بديع؛ عطف {فَقَتَلَهُ} بالفاء السريعة على {فَطَوَّعَتْ} لبيان أن النفس متى ما استجابت للهوى وزينت المعصية، اندفع العاصي للتنفيذ دون تمهل؛ ثم عطف مباشرة بالفاء {فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} لبيان أن الخسارة ملازمة للجريمة تقع فور ارتكابها ولا تفارق صاحبها أبداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دور النفس الأمارة في التحريض على الجريمة:
يدفع الإشكال: بيّن الإمام ابن القيم في "الداء والدواء" حقيقة قوله {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ}: إن أول جريمة قتل لم تكن بوسوسة شيطان خارجي فقط، بل كان المحرك الأعظم فيها هو "النفس الأمارة بالسوء" وشهوة الحسد والكبر؛ فالنفس تظل تنازع صاحبها وتستدرجه خطوة خطوة، وتصغر في عينه قبح الذنب، وتطوعه له حتى يرتكبه، فإذا وقع الفأس في الرأس انقلبت اللذة الموهومة إلى حسرة دائمة وخسران مبين.
إسناد التطويع إلى {نَفْسُهُ} وإضافة القتل إلى {أَخِيهِ}: سر بلاغي مدهش؛ إضافة القتل إلى "الأخ" {قَتْلَ أَخِيهِ} لتبشيع الجريمة وتفظيعها؛ فهو لم يقتل عدواً محارباً، بل قتل شقيقه الذي ربطته به أقدس وشائج الرحم؛ فكشفت الآية شناعة الهوى الذي يعمي البصيرة ويهدم كل الأواصر الإنسانية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مراقبة النفس ومجاهدة خطراتها الأولى قبل أن تستحكم الشهوة وتطوع لصاحبها المعاصي والكبائر.
إدراك شؤم الجرائم والمظالم، وأن القتل لا يجلب نصراً ولا غلبة، بل هو الخسران المحض في الدارين.